نجيب البعيني

أمين تقي الدين علم من اعلام الشعر العربي لبثت أشعاره ردحاً خارج سربها وظلت سرية مطوية.
في هذا البحث يعيد الأديب والباحث نجيب البعيني الاعتبار للقصائد التي غابت وللدور الذي لم ينل حقه.
 
كان أمين عملاق شعر ونثر... نشر إنتاجه في معظم جرائد ومجلات في لبنان ومصر والشام, كما تناقلت قصائده جميع الدوريات والنشرات في حينه وهو على مقاعد مدرسة "الحكمة" في بيروت بدءاً من سنة 1900 ومابعد إلى تاريخ رحيله في 31 آيار سنة 1937.
وبعد وفاته بسنوات بقي صدى أخباره وأعماله يتردّد من خلال الكتابة عنه في الصحف والمجلاّت أو من خلال إقامة حفلات الذكرى في بيروت في عدد من الامكنة. وبالرغم من كل ذلك لم يصدر له ديوان شعر يضمّ بين دفتيه جميع قصائده. وكنت أصدرت كتاباً عنه أسميته : "أمين تقي الدين في الشعر والنثر", ينصف هذا الشاعر الذي ملأ الآفاق بشعره .
وقد قامت يومها قيامة المرحوم الدكتور سامي مكارم معترضاً على إصداري كتاباً عن أمين تقي الدين, فعمد إلى نقل كلّ قصائدي في كتابي وإدراجها في كتاب أسماه : "ديوان أمين تقي الدين" أصدره في سنة 2000. على أنّ هناك عشرات القصائد التي بقيت خارج الديوان, ولكنني عدت فعثرت على قصائد غير منشورة في كتابي أو كتاب مكارم, ننشرها في هذه الصفحات وفاء وتقديراً لأدبه.
1-عن دار العلوم العربية في بيروت سنة 1996
ولكن قبل أن أنشر هذه القصائد المنسية لا بدّ أن أعطيهُ حقه في نشر بعض أعماله التي لم يشر إليها أحد قبلاً.
 
كما لابدّ من بسط شيء عن سيرته الذاتية وجهاده الوطني نتاجه في إغناء الأدب العربي الحديث.
ولادته وعلومه:
ولد الشاعر أمين تقي الدين في "بعقلين" من قضاء الشوف, في 21 أيلول سنة 1884. تعلم مبادئ اللغتين العربية والفرنسية في مدرسة القرية, وعندما بلغ الحادية عشرة من عمره أدخله والده مدرسة "الحكمة" في بيروت, فأتمّ فيها دروسه العالية, وكان تلميذاً للمربي الكبير الخور أسقف يوسف الحداد وتلميذاً للغوي الضليع بطرس البستاني. وكان بين رفاقه نجيباً لامعاً نشيطاً ومن أقوى التلاميذ بياناً وبلاغاً, وأمتنهم عبارةً وكلاماً, ومن أشدّهم امتلاكاً لناحية اللغة والأدب, وهضم مفرادتها الصعبة وكلماتهم العويصة.
كان أمين تقي الدين في أوج شبابه, وقد روت مدرسة "الحكمة" في بيروت ظمأه المتعطش إلى مناهل العلم والمعرفة, وزادته ثقافة واسعة, وأرضت ميوله ورغباته وطموحاته ونفسه التواقة إلى اكتساب العلوم والثقافة الواسعة, والعلم الوفير, وكان معهد الحكمة آنذاك من أكبر معاهد لبنان وأعلاها كعباً في اللغة العربية, فقد جمع هذا المعهد باقة مميزة من المبدعين والمفكرين الذين وحدّت بينهم وحدة علمية, فتلاقت تحت سقف واحد وعلى طاولة واحدة. وكان في طليعتهم:
جبران خليل جبران, بشارة الخوري, الأخطل الصغير, ويوسف السودا, والأمير شكيب أرسلان, ووديع عقل, وشبلي الملاّط, وبولس سلامة وغيرهم وغيرهم.
كانت الحكمة تشدّ هؤلاء برغبة صادقة في أن يجعلوا من هذا المعهد مركزاً علمياً وصرحاً ثقافياً يعبرون فيه عن آرائهم وأفكارهم في بعض طروحات فكرية وأدبية واجتماعية وانسانية, فيجعلون "الحكمة" مدرسة بكل معنى الكلمة, وصرحاً ثقافياً ومنتدى الأدب والشعر والفلسفة والاجتماع لكي يكونوا وحدةً متراصة, وحدة مشاعر وطموحات وأحاسيس مشتركة, في لبنان والعالم العربي. وأن يصدحوا بأروع قصائدهم. فكان الشرق على ألسنتهم أنشودة حب وحياة وكرامة, وأصبح لبنان على أقلامهم وفي كتاباتهم رمزاً لرسالة من الوحي والالهام والحب والحنين, فوصفوه أبلغ وصف وأدّق معالم , وحملوه مشعل نور وهداية بين جميع المدارس الاخرى, وطافوا به بين الكواكب والشموس ليضيؤوا به العالم والاقطار العربية قاطبة.
كان الشيخ أمين تقي الدين بين رفقائه هؤلاء أحد الجنود المجهولين, فهو واحد من الشعراء جنّد نفسه لصيانة اللغة العربية وخدمتها خدمة جلىّ صادقة أمينة وحفظها من الضياع واللحن والضعف والانهيار . كما خدم هذا الشاعر وطنه والآداب العربية, وغرس بذور الفكر الصحيح والمبادئ السامية, فوزع نشاطه في كل ّمكان .
وكان هو وزملاؤه يجتمعون في "بار الروكسي" في الثلاثينات من القرن الماضي, في ساحة البرج, ببيروت. وكان يأتي إلى هذا الاجتماع كل من:
إلياس أبو شبكة, وميشال أبو شهلا, وصلاح لبابيدي, والياس فياض ونقولا فياض, ويوسف إبراهيم يزبك, وموسى نمور, وميشال زكور, و أديب مظهر, بالاضافة إلى بشارة الخوري, ووديع عقل, وبولس سلامة, وشبلي الملاّط, ويوسف السودا, وغيرهم كثيرون من أدباء وشعراء تلك المرحلة ومن عشاق الأدب والشعر والفكر والثقافة, الذين أشعلوا نبراس الشعر في ذلك الوقت.
يقول بعض النقّاد: إن هناك ثلاث مراحل أدبية عند أمين تقي الدين. وهذه المراحل هي: الصحافة الأدبية, والبحث التأريخي, والنضال الوطني. وهذه الأقانيم الثلاثة كرّست جهوده لتنصب في مسؤولية واحدة. فما توانى يوماً عن البحث والقيام بالجهود الملقاة على عاتقه في أن يكون شاعراً كبيراً"قد الحمل وزيادة". ولكن عرقلت خطواته بعض العثرات. فتجاوزها بكياسته ومرحه وفرحه وايمانه, ولم يتقاعس في يوم من الأيام في سبيل الوصول إلى المبادئ العليا, والاستمرار في تنّوع نشاطاته ومهماته ورغباته وطموحاته غير عابئ بالفشل لا يستكين لأي معوقات تعترض سبيله وتقدّمه.
 
صفات الشاعر ومزاياه:
تمتّع أمين تقي الدين في حياته بصفات ومزايا حميدة لم يتمتع بها غيره من أدباء العرب, وفي هذا الصدد يقول زميله ورفيقه في الدراسة المرحوم الدكتور خليل باز حرفيّاً :
«لم يَعر الشهرة اهتماماً, أو يتهاوى وراء الكسب المادي أي اعتناء, فعمل ساكتاً دون تظاهر أو إطناب, ومباهاة, عمل الصادقين في هذه الدنيا ليس آبهاً في الفخفخة, والاسم العريض, والصيت البعيد, ولم يكن طموحه لنيل مراميه نتيجة لرغبات وصولية, أو استشهادات نفعية, فترك الجاه لأصحابه, والزعامات لأهلها, والرتب العالية للطامعين بها, وسعى لخدمة وطنه والانسانية مفكراً ووطنياً مجاهداً, يتعرض للسجن والأسر حيناً والتشريد والنفي حيناً آخر ويذوق مرارة الطغيان العثماني المتحكم برقاب الشعب, آملاً بتحرير بلاده, ورفعة شأنها. كذلك سهر على إصلاح مجتمعه, الأخلاقي والأدبي والاجتماعي والسياسي. فكان يعمل بصمت وهدوء عميقين غير حافل بالأخطار, فلا يغره السراب اللامع».
اتصف أمين تقي الدين بأخلاق رضيّة, وطباع دمثة, وسجايا حميدة, ومزايا نبيلة, فكان لسانه دفيئاً لم يتعرض به بسوء لأحد. محدِّثاً لبقاً, يعرف كيف يتخلص في أحرج الاوقات .
وكان صاحب أنفة, صادق العاطفة, وطنياً حقاً, شاعراً موهوباً, وطنياً مؤمناً بلبنان.
كيف لا وقد نشأ هذا الشاعر نشأة فاضلة .. فهو من بيت علم وأدب وتقوى, وأجداده رجال دين وقضاة وعسكر.
سفره إلى مصر :
لم تطل إقامة الأمين بلبنان. فبعد انتهاء دراسته في "معهد الحكمة" رحل إلى مصر, ويرّجح دخوله إليها في سنة 1903 إلى سنة 1905.  وبقي فيها تسع سنوات, حيث عمل في الصحافة اليومية في جريدة " الظاهر " لصاحبها المحامي محمد أبو شادي . ودخل كلية الحقوق الخديوية, ثم كان يذهب أحياناً إلى باريس في جامعة "ديجون" بفرنسا, في نهاية كل سنة, فنال شهادة الليسانس في جامعتها.
وطلب إليه صديقه الشيخ أنطون الجميل أن يعاونه في تحرير مجلة "الزهور" ففعل وأصبح شريكاً له. ابتداء من العدد الرابع, في شهر حزيران 1913 وحملت هذه المجلة لواء النهضة العربية الحديثة, وكانت لسان حال الشعراء المصريين والأدباء من الطبقة الادبية الأولى امثال : أحمد شوقي, وحافظ ابراهيم, وولي الدين يكن, ومحمود سامي البارودي, وداود بركات, وخليل مطران, وسليم سركيس, وجرجي زيدان, وشبلي الملاّط, وشبلي الشميل, و إمام العبد وسواهم من أساطين الأدب والكتابة والشعر.
وقد صقلت مصر شعور الشيخ أمين تقي الدين وجلت قريحته بسبب احتكاكه المباشر بالأدباء المصريين من جهة, وبالأدباء السوريين النازلين في وادي النيل من المغتربين من جهة ثانية.
 
قبل إعلان الحرب العالمية الأولى في سنة 1913, عاد أمين إلى أرض الوطن, وما إن استقرّ في بلدته حتى أرسلت السلطات العسكرية العثمانية مذكرة جلب بحقه, فطلب أهله إليه سراً أن يتوارى عن الأنظار , لأنّ قائد درك "بيت الدين" قادم إليه مع عددٍ من جنوده لتنفيذ هذه المذكرة, فلجأ أمين إلى مزرعة يملكها ذووه في أحد ضواحي بعقلين, وهناك راح يدبج المقالات وينظم القوافي ويترجم "قصة شاب فقير " من الفرنسية إلى العربية.
ويُقال أنه حُكم عليه بالإعدام إنّه فرّ من وجه السلطة التركية ردحاً من الزمن إلى أن قيض الله للبنان أن يتخلص من جور حكم الأتراك وظلمهم.
وقد روى أمين تقي الدين قصته الكاملة عن نجاته من قبضة الاتراك في حديث صحافي أدلى به إلى جريدة "العاصفة" لصاحبها كرم ملحم كرم, في العدد 29 بتاريخ 8 / شباط سنة 1933.
وكانت للأمين عدة مواقف بعدها, اشتغل في الصحافة في جريدة "البيرق" ثم في جريدة "البرق" لصاحبها بشارة الخوري, وأنشأ مكتباً للمحاماة في سنة 1919 مع صديقه جبرائيل نصّار . وترشح أكثر من مرة للانتخابات النيابية اللبنانية, وأصبح سكرتير نقابة المحامين في لبنان سنة 1921. وانضمّ إلى عدة من الجمعيات والاندية الثقافية إلى حين وفاته في سنة 1973.
قصائد خارج الديوان :
لم يذكر أمين تقي الدين كشاعر بين الشعراء إلاّ لماماً , مع أنّه كان شاعراً فحلاً مبرزاً بين الشعراء, وكان فن الشعر عنده يسمو على بقية فنون الشعر العربي , له ميزة خاصة, وطبع خاص, يميزه عن غيره ويجعله ذا مكانة عالية بين شعراء العرب.
إنه شاعر مجيد ينقلنا من عالم إلى عالم آخر, ينتقل بنا من لون إلى لون ويجعلنا نتغلغل في شعره, ونتعمق في درسه وتحليله, حيث نلمح هناك آفاقاً بعيدة في قصائده تجعلنا نعيش في دنيا رهفة الحس, فياضة الشعور, صادقة المشاعر الانسانية التي تتجلى بأبهى مظاهرها , فقد كانت نفسه دائماً تواقة إلى المعالي والفخر والأنفة والأدب والحب والجمال والألم.
يقول أحد عارفيه ومجايليه عنه :
« .. إنّ الجمال والألم يبدوان ظاهرين في ثنايا شعره, في كل سطر وكلمة, إلى درجة تشعر أن الحرف ينبض ويحترق ذائباً بشعوره, والقافية يسلخها لا من قلبه فقط بل من عمق أعماقه, ففي قصائد الأمين رؤى وملامح تأملية, في المصير الانساني, تفتح أمامك نوافذ جديدة في الحياة لم ترها من قبل, عدا النشوة الحالمة, التي يرتعك فيها, والمناخات الفكرية المتعددة التي ينقلك بين أجوائها» .
تلهبك بعض المقاطع في قصائده فهي بمثابة أوهاج الروح الوطنية الثائرة الملتهبة, تشمل قلوب القراء, وتهيج العاطفين والمتحمسين, حيث يعالج الأمين مواضيع متفرقة في الحياة, يصبها في قوالب شعرية أقرب إلى التصوير الواضح, والدرس والتحليل منها إلى الغموض والخيال والرمزية الكسيحة.
 ويحكى أنّه لما زارت السيدة أم كلثوم لبنان للمرة الاولى , حيّاها أمين بهذه الأبيات الجميلة التي لم تنشر من قبل , قال فيها :
يا أمّ كلثوم و الأسماع صاغية  إلاّ النعيمَ لأرواح  و أذهانِ
إذا شدَت تنصت الدنيا لنغمتها  في مصروالشام في أنحاء لبنان
طارت من النيل نحو الشرق ما بتسمت  مرابع الشرق من قاصٍ ومن دان
عصفورة من جنان الخلد قد هبطت  أهلاً بعصفورة في ثوبِ أنسانِ
وقال في ( بعلبك مدينة الشمس ) :
إن لم يكن ألاّ عظام أبي بها  فأنا أحبٌّ لأجلها لبنانا
بين شوقي وتقي الدين :
كان أمير الشعراء أحمد شوقي مُدمناً على الخمرة, حتى في شهر رمضان, فساءهذا الإدمان عند الرأي العام الاسلامي, وعُدّ شذوذاً يبدر من رجل صاحب كلمة وموقف وله في العالم الاسلامي كلمة مسموعة طنانة ورنانة. ورأى شوقي أن يتحامى بالحسنى مايُعاب عليه, ومايقال عنه من شذوذ , فأخذ ينظم في آخر شهر رمضان من كل عام قصيدة يعلن فيها أمام الناس احترامه الكامل لشهر رمضان المبارك. واتفق أنه نظم بيتين من الشعر, وجاءه الشيخ أمين تقي الدين فأنشده إياهما, وقال:
رمضان ولّى هاتها ياساقي  مشتاقة تسعى إلى مشتاقِ
فالقلب مشتاق وربك غافرٌ  إن كان ثمَّ من الذنوب بواقِ
ومرّت سنوات على هذه الحادثة .. وذهب أمين إلى استنابول لقضية خاصة تتعلق به , وفيما هو يتغدى في أحد المطاعم الواقعة على البحر , وذلك في شهر رمضان المبارك إذا بشوقي يدخل المطعم وبصحبته ولده حسين , وكان شوقي ضعيف النظر فلم يبصر تقي الدين وهوجالس على إحدى الطاولات في إحدى زوايا المطعم , وجلس مع ابنه إلى خوان وطلب لنفسه كأساً من الويسكي ولولده كوباً من الجعة . فأخذ أمين تقي الدين قلماً وورقة و أرسل إلى احمد شوقي مع خادم المطعم بهذين البيتين التاليين بدون توقيع :
رمضان ماولّى يا ساقي  تسعى بمشتاق إلى مشتاقِ
عجباً تروم على الذنوب زوائداً  وعليك ثمّ من الذنوب بواقِ
فما كاد شوقي يقرأهما حتى صاح بأعلى صوته :
هذا شعر أمين تقي الدين , أين هو ؟
أحرق فؤادي :
عثرنا على قصيدة رائعة للشيخ أمين تقي الدين , وهي من آثار مدرسة " الحكمة " في بيروت , نظمها في سنة 1902 , وكان لايزال طالباً فيها .
وهذه القصيدة عميقة الإحساس , رقيقة المعاني , متينة المباني , لم تنشر من قبل . نظمها أمين تقي الدين يوم كان تلميذاص على مقاعد الدراسة .
دفعها تهنئة بنوية للعلامة المطران يوسف الدبس عميد مدرسة الحكمة ومؤسسها بمناسبة عيد شفيعة القديس يوسف في 19 آذار سنة 1902 , وقد ضمنها الشاعر أصدق أمانيه وأخلص وأصفى بما يجول في صدره من عواطف الحب والأجلال والاحترام للحبر المومأ إليه, والتي تتدفق من بين سطورها رقة وإحساساً تدفق سلسبيل رقراق على جنة خضراء, مايدلّ على صفاء سريرة "الأمين" وكِبر قلبه وصدره الواسع الحصين, وعلوّ همته, ونيل أسرته, واحترامه الكبير وهذه هي القصيدة:
أيكون قلبي من هواك طليقا  ولقد عرفتك عاشقاً معشوقا
تهواك كل فضيلة وتحبها  ولها فؤداك لا يزال مشوقا
وارى خصالك تستبي بجمالها  من ليس يسلك للكمال طريقا
وارى جمالك بالطهارة مشرقاً  أتلوم قلباً بالجمال علوقا
أهواك يابدر الفضائل والتقى  فاطلع بقلبي في سناك شروق
أهوى شمائلك الحسان وماأنا  ممن غدا بسوى هواك رفيقا
لا تشو قلبي في غرامك انما  احرق فؤادي في هواك حريقا
بللتني بالحب لا لا ارتضي  الا اراني في ولاك غريقا
اسكرتني بهواك حتى خلتني  ثملاً ولكن ما شربت رحيقا
واذا سكرت وماافقت فلا تلم  " أأفاق صب من هوى فافيفا ؟
ولقد رأيت على جبينك جملة  قد زادها قلم التقى تنميقا
فقرأت فيها ما ملخصه غدا  هذا الهوى من يتبعه يوقى
ياحبذا فيك الكمال فقد بدا  بسواك تخييلاً وفيك حقيقا
شابهت يوسف في العفاف وانما
  وجه الشبه قد غدا تحقيقا
فليهنك العيد السعيد فقد اتى
  بعيون كل مسرة مرموقا
ياعيد لست العيد لكن عيدنا
  من جئت اوفيه الثناء حقيقا
ما العيد يامولاي يطربنا فما
  بسواك بان لنا السرور شقيقا
لكنما هو آلة كالسهم اذ
  لو لم يحكم لم يصب مرشوقا
يايوم عيد الحبر يوسف دم لنا
  عيداً يظل شذا صفاه عبوقا
نرمي سهام النار فيك الى العلى
  فنؤمم المريخ و العيّوقا
فنخالها صعدت لتخبر بالهنا  نجم السما فلها يكون رفيقا
وتعود لا تبغي هناك منزلاً  فتصير تنثر لؤلؤاً و عقيقا
تلكم سهاماً قوسها افراحنا  تعتاد من كبد الهموم مروقا
 
فاهنأ بعيد انت مطلع بدره  واسلم بلاحظة الهنا مرموقا
هذي فروضي قد اتتك كغادة  منها عبير ولاك بات فتيقا
حققت ان جمالها يسبي النهى  فلذا سلكت بها اليك طريقا
لو لم اكن احوي الدراهم في يدي  ماذا ارجي لو اتيت السوقا
والناس لو لم يعزفوني شاعراً  ماصفقوا لقصائدي تصفيقا
فاذا ارتجفت فلا تقل خوفاً  معناك يسر الكسر بات عميقا
الدبس من عنب نظير الخمر تعصر  ان نشا عن اصله تحقيقا
وانا فتى حر الفؤاد طليقه  لوكان قلبي من هواك طليقا
فاعقد رجاءك بالاله ولاتخف  واصحب طويل حياتك التوفيقا
امين سعيد تقي الدين
احد طلبة مدرسة الحكمة _ بيروت سنة 1902
رثاء بسترس وطرازي :
نظم الشيخ أمين تقي الدين أحد طلبة مدرسة " الحكمة " في بيروت . قصيدة لطيفة المعنى يرثي فيها المأسوف عليها نخلة بسترس والكونت انطوان طرازي اللذين ذهبا غريقين في حادثة " النسامة سهام " .
أصدرت كتابي : " امين تقي الدين , الشاعر والناثر وماقيل فيه " في سنة 1990 , عن دار العلوم العربية , بيروت , وأصدر المرحوم د . سامي مكارم كتابه : " ديوان أمين تقي الدين " في سنة 1996 , عن دار صادر في بيروت . وهناك مقطعة شعرية من تسعة ابيات تحت عنوان :" بسترس وطرازي " في رثاء فقيدي الوطن نخلة حبيب بسترس وانطوان طرازي , نشرتها في كتابي الآنف الذكر نقلاً عن جريدة " الصفاء " لصاحبها أمين آل ناصر الدين , في 16 حزيران و4 حزيران سنة 1900 . وقد عثرت على هذه القصيدة في كتاب قديم جداً . عثرت على هذه القصيدة المؤلفة من 78 بيتاً من الشعر . فقلت في نفسي :" هل يجوز ان تبقى هذه القصيدة خارج الكتابين , ولا سيما في ديوان المرحوم د . سامي مكارم ؟ "
لذلك فأنا انشر هذه القصيدة بكاملها , كما وردت بقلمه , واترك للقراء الكرام الحكم على هذا العمل .
واليك هذه القصيدة :
قفا على ضفّة المينا فنسقيها  مدامعاً فاضى مثل البحر جاريها
قفا نسرح في الزخّار ناظرنا  عقودنا انفرطت فيه لآليها
هناك تجري"سهام" راسهاقدرٌ  يرمي بها الجد يالله راميها
مقلة من مراة القوم نخبتهم  يذيبها الوجد من توديع واليها
أجرى من السهم مرشوقاً وقد دعيت  "سهام" لابدع لم يخطئ مسميها
لم ندعها السهم بل قلنا مبالغة  هذي "سهام" أصاب الحق داعيها
جرت ظهيرة يوم السبت ماخرة  تسابق الريح جرياً في مراميها
بخارها كعمود قام منتصباً  يدق من كبد الزرقا دراريها
ولا أبلغ فالرايات تشهد لي  أن "الهلال" مقيم فوق صاريها
كأنما اتخذت في السير جؤجوها  سيفاً لديها مياه البحر يقصيها
كأنما الماء مشقوق لهيبتها  عساكر دحرت من وجه غازيها
او انها الحب هاجته صبابته  فراح يمشي طريقاً كانت التيها
طال الصدود ونار الشوق موقدة  فمزقته شهيداً في تلظيها
 
كذا "سهام" فلا كانت "سهام " ولا  كان البخار ولاكانت دواعيها
بينا تسير اذا جاشت مراجلها  تشقها ويبيد الركب لاظيها
ضجَّت لها الخلق فوق اليبس صارخةٌ  اللهُ اللهُ خلِّص كلّ من فيها
فلم تكن لحظةٌ حتى رأيت بها  "سهام" في اللجّ قد القتْ مراسيها
ويلاهُ من مرفإ فيهِ رست فرسى الـ  أسى على اكبدٍ كالجمرِ يقليها
لولا الاله الذي الأحكام في يده  تجري ولا نكبةٌ الاّ يُداويها
لا حرَقت زفرات القوم يابسَها  او أغرقه عيونٌ من مافيها
 
ياوقفة فوق مينا الثغر قد نظرتْ  بيروتُ فيها "سهام" الفتك يشويها
فالعينُ شاخصةٌ والاذن راصدةٌ  وفي الحشى نار هلعٍ من يطفّيها
عمّ المصاب وجل الخطبُ فاندفعَت  للبحر كالبحر هاج الخطب ساجيها
تتابع الناس امواجاً يقذّفها  هوى النفوس الى لقيا محبيها
ماعدتَ تسمع الاَ صوت مختنق  حزناً وواضعة كفاً على فيها
عامت وديعتُهم في اليمّ يبلعُها  ترجو اللقاءَ وصرف الدهر يقصيها
تقطَّعت منهم الآمال فانغمسوا  في اللجّ والنفس قد ماتت أمانيها
 
لسان حالهم يروي لنا خبراً  يشقِّق الصخرة  الصلدا  ويصميها
ذا قائلٌ وعباب  البحر  يخنقهُ  يارب  رفقاً  بنفس  انت  باريها
يارب كن لأُطيفالي أباً  عضداً  ويابنيِّ  حبيب  النفس  ثانيها
خاب الرجاءُ وخان الدهر ياولدي  بُنيّ  من  لي  بآمالٍ  ارجيها
من لي باني ارى الوجهَ الجميلَ وهل  أحظى  بطلعته  من  ذا  يرينيها
و أين عينيك يا ابن الامّ تنظرني  اخي  فالنفس  قد  تاقت  لمصيبها
ابني تركت  يتيماً يا اخي وله  امٌّ  تراه  بلا  عونٍ  فيسيلها
فكن اباه ولا  تذبل  نضارتهُ  تلك الوصية في ذا الكنز أوصيها
آن الرحيل  ولا  خلٌّ  يشيعنا  ياقدسُ  هل  نظرة  التوديع الفيها
ما كان أغدر دنيانا  وأنكأها  ما كان اكدر يوم البشر صافيها
فيا رفيقة عمري  نثِئِ  ولدي  فالنفس  فيه  بذي  الدنيا  امانيها
وذاك  وا كبدا  للج  منحدرٌ  عيناه  قد  شخصت  لله  مبديها
يعارك الموج والامواج مابرحت  طوراً  تعليه  او  طوراً  يعليها
حتى انجلى النصر للأمواج وابتلعتْ  واحسرتا جسمه الامواه  في فيها
وارحمتاهُ قضى والنفس هاتفةٌ  يقول  رحماك  يا ربي مرّجيها
 
ياربُّ عزِّ اخي فيليب مكتنفاً  ايّاه  بالعون  والنعمى ملاقيها
ويلاهُ من ساعةٍ فيها يِفاجئهُ  نعيي على غرّةٍ ما كان  راجيها
اخي حبيبي عزائي ساعدي سندي  اليك  اترك  وُلدي  كي تربيها
بالأَمس كنا جميعاً في زفافك بال  م  أفراح  و الصحب تأتينا تهانيها
اليومَ يامهجتي اصبحتَ وحدكَ بال  أحزان مستقبلاً  منها  تعازيها
 وأنتَ ياوَلدي فيكتور يا املي  أنا حيلتك  قد  كدرَّت  صافيها
بالأمس كنا كلامٍ عانقت ألِفا  وكأنه قلبي يألفي راقصاً تيها
فمن تعانق من بعدي ايا ولدي  يا لوعةً بت في موتي تعانيها
أفٍ على هذه الدنيا وعيشتها  " بُني لا خيرَ في الدنيا ومافيها "
فكيف اختك ياابني في السرير ألَا  تقول : والدها لِم لا يدانيها ؟
فكتور ياابني حبيبي مهجتي ولدي  فكن لاّمك من بعدي معزيها
اليكِ ألقي ايا هذي مقالدهُ  ولست محتاجةٌ في ذاك تنبيها
 
لله طَلعتكم قد رمتُ أنظرها  قُبيل موتي فربّي ماأرنيها
موتي يوشحكم ثوب الحدادِ ولي  من الاسى حللٌ ألبستمونيها
عليكمُ من غريقٍ في المياه سَلا  مُ راحلٍ نفسه لله مُجريها
لله من فجعةٍ من وقعها انتشبت  براثن الفتك في بيروت تُرديها
ياراحلين وصبر الآلِ مرتحلٌ  معكم ولا املٌ فيها يوآسيها
تركتمُ لبينكم شعلةٌ حرقت  قلوبهم واغتدت لاصبر يُطفيها
نرثي حياتكمٌ نبكي صباءَكم  بأعينٍ بالدما ينهلُّ هاميها
انَّا اذا جفٌ منّا مدمعٌ بقيت  فينا قصائدنا تبكي قوافيها
 
يانخلةً من ربي الفضال قد قُصفت  اثمارها لم تزل تدنو مجانيها
كم هدّ فيك الردى آمال ذي عوزٍ  بل كم وكم بلغت نفسٌ تراقيها
تبكيك بيروت مادامت مجاورةٌ  بحراً طلبتَ به للنفس تنزيها
وبلاهُ من ذلك التنزيه كيف قضى  بقصف نخلةِ فضلٍ من روابيها
نبكيك مانظرت منا العيون الى ال  تربيل والدمع للاجفانُ يدميها
يادرّةٌ غرقت في البحر لا عجبٌ  فالبحر امثالها مازال يحويها
لكنه ليستا سيٌانِ حيث ارى  ان قد درى البحر ان لا دُرّ يحكيها
فلم يشا دفنها فيه فاظهرها  للارض اذ نورُها يجلو دياجيها
 
تبكيك دوماً أيا انطوان مابرحت  ذكراك يعبق في الأفاق ذاكيها
لا تعجبت ان تكن شُقت "سهام" فذي  اعذارها اصبحت للناس تُبديها
قد قمتَ من فوقها بحراً فلا عجب  اذا نُشقَ وان تُهدم مبانيها
رأتك بالحلم مثل الطرد في ثِقلٍ  هل حملها الطودَ يوماً ليس يوهيها
سادت ظهيرةَ يوم السبت واأسفاه  قصد الرجوعِ فخانتها أمانيها
ياليلة العيد ماذا انتِ جالبةٌ  الا بكاءً واحزاناً نوآخيها
كنا نؤمّل بالافراح واأسفاً  خابت لنا فيكِ آمالٌ نرّجيها
انّا على البُعد ما ناحت مطوقةٌ  نرثي " سهام " ونبكي من قضى فيها
***
نماذج من شعره :
وهنا نختار من شعره الموجود في كتابي كنموذج فيه أنفة وكبرياء واعتداد بالنفس ودمانة خلق , ورقة طبع , ودقة احساس , ورفعة أدب , ونبل شعور لا يضاهي , فقد قال :
تُسائلني كيف ينسقى الكريم  كأني لبست الشقاء بديدا
تصدّى لي الدهر مستبسلاً  وأرصدت للدهر خلقاً سديدا
كلانا على عزفه ثابت  حديد القوى يستفزُّ حديدا
ووالله ماشدّ إلاّ شددت  فلاقى ولاقيت خصماً عنيدا
إذا لان عزمي استراح الزمان  وان وهن الدهر عشت سعيدا
وله قصيدة رائعة في استاذه عبدالله البستاني , وقد تتلمذ على يده وأخذ عنه محافظته على تدسية اللغة وحبه للشعر القديم والجديد لجزالته ومتانة , قلب :
شجاها أن تزيدَ العيدَ جاها  فنادتني فلبّاها فتاها
أنا من تعلمينَ فتى القوافي  إذا أطريت أستاذي أباها
ويقول مخاطبً استاذه :
لبستَ عباءةَ العربيِّ تُزهي  بها حتَّى برزتَ من ارتداها
ووشَّتها علومُ اليومِ وشيَّاً  كأَنَّ سناءَهُ من كَهرباه
وقد أحيت لنا العُصُرَ الخوالي روايات أجلَّكَ من رواها
كأنكَ كنتَ رافائيل فناً  تضيفُ لفنِّه لغةً وفاها
رأى فأجادها صُوَراً ومعنىً  واستاذي أجاد ومارآها
توفي الشاعر عن عمر قصير يقارب ثلاثاً وخمسين سنة أي في عمر الشباب , زهرة لم تتفتح اكمالها تماماً . خسره لبنان وخسرته البلدان  العربية شاعراً كبيراً ووطنياً ومجاهداً , شديد الغوى بلبنان , بعث إليه رسائل غراء ودرراً وجواهر ثمينة أطلقها في شعره . هو علم من أعلام الأدب العربي , بكت عليه المجالس الأدبية والمنتديات الفكرية , ووقف على قبره نحو 30 خطيباً جاؤوا من كل أصقاع لبنان لتأبينه وتعداد صفاته ومناقبه ومزاياه . إنّه واحد من القلائل الكبار , قلَّ ان يجود الزمان مثله في هذا الزمن الرديّ , علم فرد صعقت لفقده اللغة العربية الفصحى في ديار العرب.

Saadeh Facebook  Saadeh Twitter Saadeh Email