د. وليد زيتوني*
 

دشنت الحرب العالمية الاولى مرحلة ضياع الهوية القومية في منطقتنا، باتفاقية احتفالية، أسمتها سايكس-بيكو. اتفاقية وضعتنا على خط الاشتباك الاستراتيجي المحدد بجغرافيا الطوائف والملل والنحل.
غير ان النتائج التي رسمتها الاتفاقية، لم تكن وليدة ساعتها عام 1916، وانما كان التحضير لها على قدم وساق من امدية بعيدة زمنياً. ففي لحظة بروز الدولة القومية في القرن التاسع عشر، لم نكن جاهزين مادياً ومعنوياً لتتلقف فكرة التحول العالمي الحاصل على المستوى السياسي، وبالتالي لم نتلمس بعد معنى ومضمون الهوية القومية للاسباب التالية:
اولاً: وجودنا تحت سيطرة الامبراطورية العثمانية التي كانت تعاني سكرات الموت نتيجة لاوضاعها الاقتصادية المتردية، وخسارتها العسكرية امام القوى الاستعمارية آنذاك وخاصة تدمير اسطولها البحري في نافرين عام1826، ومن ثم عدم استقرار اوضاعها الداخلية  اثر انقلاب الثلاثي القومي الطوراني على الخلافة العثمانية المتلبسة اللبوس الايديولوجي الديني؛
ثانياً: تدخل الدول الكبرى في المناطق التي تسيطر عليها الخلافة العثمانية تحت عناوين رعاية الاقليات الطائفية، ومن خلالها، ركزّت على المستشرقين والدلالين والارساليات لضرب البنى الجيو-ثقافية الموجودة، التي كانت تحتفظ لتاريخه بخصوصياتها القومية؛
ثالثاً: كانت المنطقة تعيش حالة اقتصادية مزرية كمحصلة للجشع الامبراطوري العثماني من جهة، وكنتيجة للهجمة البدوية الصحراوية التي قامت بها قبائل العنزي القادمة من الجزيرة العربية من جهة أخرى، حيث فاقت بهمجيتها واتساعها ما فعله هولاكو. لقد دمرت هذه الهجمة سبعة الاف قرية وبلدة  من حلب شمالاً الى صفد وحيفا ويافا جنوبا، فحرقت جميع المحاصيل الزراعية وقطعت الاشجار ونكّلت بالسكان قتلا وتهجيرا، تحت الرعاية العثمانية وانظار القناصل الاوروبيين؛
رابعاً: تردّي الوضع العلمي والثقافي ودخول المنطقة في مرحلة الانحطاط بسبب الممارسات القمعية العثمانية وهجرة الكوادر العلمية، وتغلغل ثقافات غربية متعارضة مع القيم السائدة، لم تستساغ، حينها، من قبل النخب المتلقّية؛
خامساً: تحوّل عصبة الامم الى منظمة ضامنة لحقوق الدول الكبرى المنتصرة بالحرب، على حساب الدول والشعوب التي كانت تحت مظلة الدول المهزومة، حيث انتقلت هذه الشعوب من استعمار الى استعمار آخر دون ان يكون لها اي دور في تقرير مصيرها.
تحت مظلة هذا الواقع، وفي غياب الاطر السياسية والثقافية والاقتصادية المحلية الناظمة، تمددت المشاريع الجيوبولتيكة الاقليمية والدولية لتأمين مصالحها، اشتبكت وتشابكت على ارضنا وعلى حساب مصالحنا، فدخلنا في دوامة اشتباك دائم ما زال مستمراً حتى يومنا هذا، من خلال دوائر ثلاث:
دائرة ذاتية: تختلط فيها قواعد الصراع ما بين وفي الهوية القومية، والهوية الدينية، والهوية المذهبية، والهوية الاتنية، والهوية الاجتماعية (مدنية وعشائرية) والانظمةالسياسية والاقتصادية، والتشكيلات الكيانية التي أفرزتها سايكس-بيكو؛
دائرة اقليمية: تتنازع فيها مشاريع الدول الاقليمية التي بلوّرت هويتها القومية وعملت على اساسها مثل تركيا وايران، وتلك التي لم تتبلور هويتها وتسعى الى دور قيادي اقليمي "اسرائيل"، ومصر وادي النيل، والسعودية ممثلة للجزيرة العربية؛
دائرة دولية: وقد تدرّج فيها الاشتباك تاريخياً، من صراع بين الامبراطوريات القديمة، ثم بعد الحرب الاولى بين الدول الاستعمارية الحليفة الذي انتج سايكس-بيكو، مروراً بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفياتي السابق، وصولاً الى اليوم بين الجيوبولتيك الاميركي المدعوم من اوروبا والحلف الاطلسي والجيوبولتيكي الروسي المتجدد المدعوم من الصين ودول البركس.
بالواقع، لايمكن الفصل بشكل كامل بين الدوائر الثلاث الا لأسباب منهجية بغية توضيح ما يمكن تسميته بهوامش حرية الحركة المرسومة بدقة من قبل الدائرة الكبرى، حيث برزت إشكالية تقدم نفسها على الشكل التالي: هل الاستعمار هو من أوجد المتناقضات التي تشتملها الدائرة الاولى؟ أم ان هذه التناقضات البنيوية هي التي استجلبت الاستعمار الى بقعة صراعاتها؟ بمعنى آخر "ما الذي جلب على امتي هذا الويل؟"، كما قال انطون سعادة، واردفه بسؤال آخر "من نحن؟".
هنا يتبادر الى الذهن، التسميات التي اطلقت على هذه المنطقة. من "الشرق الادنى" الى "الشرق الاوسط الجديد" و"الشرق الاوسط الكبير أو الموسع" التي ان دلت على شيء فإنها تدّل على مضمون المشروع الجيوبولتيكي واستهدافاته. هي تسميات جغرافية متعالية تؤكد على مركزية الغرب وتبعيتنا، وبالتالي ترسم حدودنا استناداً لخطوط امنها القومي  بالجيوش الجرارة والاساطيل المنتشرة في البحار المحيطة، والهيمنة السياسية والسيطرة الاقتصادية على برّنا. وعليه استنادا لحقائق التاريخ والجغرافية والفكر العلمي الحديث، سنستعيد تعبير "سورية الطبيعية" كإسم لهذه المنطقة، باعتبارهذا الاسم الاكثر إلتصاقاً بحضارة المنطقة وثقافتها.
لا شك ان الاستعمار بكافة اشكاله، قد ركّز في المرحلة الاولى على تدمير البنى الثقافية الحضارية/الروحية باعتبارها جزءاً من العوامل المتغيرة في تشكيل الامة، ليتسنى له في مرحلة لاحقة، النفاذ من التشرذم النفسي والثقافي لتقسيم الجغرافية بشكل يتناسب مع اهدافه اولاً، وثانياً كي يؤمن هذا التقسيم بقاء الاقليم الجغرافي بعيداً عن امكانية التفكير باستعادة وحدته.
ان سايكس–بيكو، وهي اتفاق توزيع نفوذ بين قوتين استعماريتين، لحظت من خلال ترسيمها لسوريا الطبيعية المسائل التالية:
1.  فصل مناطق الجذب الحضارية (ما بين النهرين، بلاد الشام)؛
2.  إضعاف العمق الاستراتيجي (لبنان بعمق 40 كلم كذلك فلسطين)؛
3.  سلخ المناطق الساحلية عن الداخل. مثلا رغم اتساع العراق فهو لا يملك منفذ بحري يتناسب مع مساحته (4كلم على الخليج، الشام 200 كلم على البحر المتوسط) رغم ان طول  الشواطئ السورية على هذا البحر تبلغ اكثر من 800 كلم؛
4.  التحضير من خلال هذا التقسيم لما اصبح واقعاً فيما بعد، دولة يهودية في فلسطين، وسلخ لواء الاسكندرون وكيليكة وصولاً الى ماردين، وربما دولة كردية في الشمال الشرقي؛
5.  التقسيم على الاساس الطائفي.
افقدت هذه الاتفاقية سوريا الطبيعية السيطرة المباشرة على شرق البحر الابيض المتوسط من خليج الاسكندرون حتى قناة السويس، كما افقدتها القدرة على التحكم بالممرات المائية وحركة التجارة والنقل، وابعدتها عن موقع قبرص الاستراتيجي، وحجّمت بنفس الوقت قدرتها الطبيعية من المشاركة بمياه الخليج والبحر الاحمر.
بإختصار، وضعت هذه الاتفاقية حداص لمعادلة قوة/سيادة التي تتمتع بها عادة الأمم بالعالم، وهو ما افقدها مركزها ودورها الجيو-سياسي والجيو-ستراتيجي بعد ان أفقدها دورها الجيو-ثقافي الحضاري في العالم. ولم تستطع منذ ذاك التاريخ ان تكوّن وضعاً يليق بها في مرحلة تنازع الامم البقاء، بل جعلها في مهب مشاريع الاخرين.
يصعب الان في ظل التشرذم الحاصل على مستوى كيانات الامة فيما بينها وداخل كل كيان، وفي ظل الحرب الحقيقة الدائرة على ارضها، يصعب وضع تصور استراتيجي لدور مستقبلي، دون تحديد نقطة بداية مستقرة ونقطة نهاية واضحة المعالم، موزعة على مراحل تكتيكية زمنية، والعمل بشكل متوازن بين ما هو استراتيجي وما هو تكتيكي، شرط توفر الارادة السياسية، والتي يبدو انها بعيدة المنال حالياً، لارتباط النخب المحلية بمشاريع تكتيكية مفصلة على قياساتها، وعلى حجم طوائفها و"جماهيرها" واثنياتها وعشائرها، وارتباط مشاريعها بالخارج. ويتعذر، بنفس الوقت، رسم النقاط المطلوبة للنهوض، دون قراءة فعلية متأنية لاستراتيجيات الاخرين الاقليمية والدولية، ومدى تأثيرها ومكامن الضعف والقوة فيها.
تعتبر الاستراتيجية بشكل عام نسق فكري مخزون في الذاكرة الجمعية لشعب ما، وهي بالتالي جامدة نسبياً لارتباطها بالعوامل الثابتة والثقافية لتشكل الامة. فالموقع والمساحة والطبوغرافيا، والثروة الطبيعية تماماً كما التطلعات العامة والمصالح هي من يقرر اصول الاستراتيجية وجذورها التاريخية والحالية. من الطبيعي ان يتغير منهج العمل الاستراتيجي تبعا للادارة وتبعا للظروف الذاتية والموضوعية للامة فتتحقق عندما تكون الامة قوية (عسكرياً، سياسياً، اقتصادياً، ثقافياً) وتتراجع الى حد تصبح معها الاستراتيجية فكرة معيارية، حين تكون في حالة ضعف امام الامم الاخرى او في حال التشرذم استناداً للعوامل الذاتية، فتسلب ارادتها وتفقد سيادتها وتصبح عرضة لتداخل الاستراتيجيات الاخرى. وهذا، بالواقع، هو حال امتنا منذ بداية ادراك معنى الامة وظهور الدولة القومية الحديثة.
هنا تبرز مسألة الادراك والفهم والتحليل ومن ثم وضع الاولويات والخيارات على مستوى بناء القدرة الذاتية والعوائق الناتجة عن التدخل الخارجي على قاعدة عقلية بحته، لأن العقل هو الشرع الاعلى، وهو بالتالي يحدد الغايات والاساليب الواجب اتباعها للوصول الى الاهداف المرسومة، شرط مرحلتها والعمل على اقامة التوازن بين الغايات الاستراتيجية والاهداف المرحلية دون طغيان اوتعارض بين الغايات والاهداف مصحوبة بتوفر الارادة السياسية.
تكاد لا توجد طريقة علمية اخرى للخروج من مأزقنا، رغم ان العوائق الداخلية كثيرة ومتشعبة ومعقدة لدرجة تدفع البعض الى اليأس. غير ان وجود مشروع بنائي مستهدف واضح المعالم يبعث على الامل ويشحذ الهمم خاصة ان شعبنا يتمتع بدينامية عالية، وقدرة أقرب ما تكون الى المثالية على العمل والمثابرة لانجاز ما يمكن تصوره ووضعه موضع التنفيذ.
ان العالم لم يعد لعبة شطرنج محصورة بين الاسود والابيض كما كانت خلال الحرب الباردة وبين قطبين اساسيين فقط، بل تحوّل الى لعبة أخرى، بما يمكن تسميته بــ "المكعبات البلغارية" ذات الابعاد والالوان الستة، تلزم لاعبها ان يداخل بين الابعاد والالوان لتحقيق الانسجام المطلوب والتوازن بين البعد واللون.
يستوجب فهم اللعبة الدائرة بمنطقتنا، الاطلال على المشروع الاميركي الغربي بالدرجة الاولى وتحديد ماهية اهدافه، والتحولات السياسية والميدانية لمساره كونه المشروع الاساس، والاكثر تجذّراً، كي نستطيع من خلال هذا الفهم النفاذ الى ادراك المشاريع الاخرى الموازية او المعارضة، ليتسنى لنا فيما بعد تحليل نقاط القوة والضعف فيه وفي مشاريع الاخرين وبالتالي ايجاد المساحة الممكن العمل عليها ومن خلالها لتحقيق مكان لمشروعنا.
ان الولايات المتحدة، التي تبنت استراتيجية الحفاظ على الدولار، والانصهار المجتمعي الداخلي وذلك من خلال النهب الخارجي وخلق عدو دائم، اعتمدت نظرية الفرد ماهان في بداية القرن الماضي، والقاضية بتطويق الدولة البحرية للدولة القارية البرية ومن ثم العمل على اسقاطها من الداخل، وقد نجحت الى حد بعيد في تعاملها مع الاتحاد السوفياتي السابق من خلال تعاظم قدراتها البحرية وانشائها للاحلاف العسكرية (الناتو، أسيان، والحلف المركزي) وامساكها بالمفاصل الاقتصادية العالمية، وجر القطب السوفياتي الى سباق التسلح. بعد هذا النجاح التاريخي، تطلعت الى تطويق الصين، فمددت حلف شمالي الاطلسي الى دول اوروبا الشرقية وعززت وجودها في جنوب شرق اسيا بالقواعد العسكرية، وذهبت الى تنظيف المسرح العالمي الوسيط الممتد من حدود الصين الى البحر المتوسط.
كانت الاهداف التي تسعى الولايات المتحدة الاميركية لتحقيقها، في المسرح الاستراتيجي الوسيط وهو المسرح الذي يشمل منطقتنا، تتلخص بالبنود التالية:
1.  الحفاظ على أمن "اسرائيل"، وعلى "اسرائيل" كقاعدة عسكرية متقدمة؛
2.  امن الابار النفطية وامن تدفقها من خلال السيطرة البحرية وحرية الملاحة التجارية ومسك المنافذ المطلة من والى البحر الابيض المتوسط؛
3.  دعم الانظمة القائمة التي تتبع سياستها للحفاظ على حالة استقرار امنية وعسكرية تؤمن موجبات النهب السهل للثروات المحلية؛
4.  الوصول الى حل نهائي في "الشرق الاوسط" يرسّخ وجود "اسرائيل".
وزادت الولايات المتحدة على الركائز الاربعة السابقة بعد 11 ايلول 2001 بنداً خامساً وهو محاربة الارهاب، تماشياً مع قاعدة استراتيجيتها (خلق عدو خارجي).
الا ان الاولويات الاميركية قد تبدلت منذ عام 2013، فتصدرتها مسألة محاربة الارهاب نظراً لبروز ما اسمته بــ "الاسلام الراديكالي" على حساب الاسلام المعتدل الذي اصبح يشكل خطراً داهماً على مصالحها في المنطقة وحتى في اوروبا والعالم. وهو ما دفعها بالفعل الى القبول بعقد مؤتمر جنيف 2، وتثبيت تحالفها مع دول الاسلام المعتدل وهو ايضاً ما جعلها بحالة ارباك بعد ازاحة الاخوان المسلمين عن الحكم في مصر خلال تحرك الجيش في 30 حزيران الماضي.
اما التحوّل الثاني، فيبرز من خلال العمل لعدم انتشار اسلحة الدمار الشامل، وقد ظهر موقفها جلياً فيما يتعلق بالملف النووي الايراني، والاتفاق مع روسيا على تدمير الترسانة الكيماوية السورية. وهو بالواقع ما اعتبرته انجازاً لها بابقاء "اسرائيل" متفوقة عسكرياً لامتلاكها منفردة السلاح النووي،  وبالتالي استقرار المنطقة لضمان تدفق النفط.
رغم ذلك تراجع، دور الولايات المتحدة بشكل درامتيكي في هذه المنطقة لاسباب عدة منها الازمة الاقتصادية التي طاولتها بدءاً من العام 2008 نتيجة لحروبها الخارجية في افغانستان والعراق، وتكاليف انتشار قواتها على امتداد العالم، وربما لسبب جوهري آخر وهو بروز منافسين جديين على الساحة العالمية كروسيا والصين والهند وبقية دول البريكس. وقد يكون من الاسباب ايضاً، تراجع اهمية هذه المنطقة استراتيجياً لاكتشاف مصادر طاقة ذات اهمية اكبر، واسواق تجارة عالمية اوسع في اسيا والمحيط الهادئ.
اما القطب الثاني الذي ينافس الولايات المتحدة الاميركية في المنطقة فهي بالتأكيد روسيا الاتحادية، التي استعادت حركتها الاستراتيجية بعد وصول فلاديمير بوتين الى الحكم. والاستراتيجيا الروسية هي استراتيجيا ثابتة كما قلنا سابقاً، وتتلخص بالوصول الى المياه الدافئة. وهي استراتيجيا لم تتغير من عهد القياصرة (كاترين الثانية، بطرس الاكبر) مروراً بالاتحاد السوفياتي وصولاً الى الوقت الحاضر مع الاتحاد الروسي. أما اهم الملامح التي تعمل على اساسها روسيا الان لخدمة استراتيجيتها، فتتلخص بالنقاط الاتية:
1.  محاربة القوى التكفيرية لابعاد شبحها عن الاراضي الروسية وخاصة في الشيشان، التي عانت طويلا من العمليات الارهابية؛
2.  الاحتفاظ بسورية كحليف استراتيجي مطل على البحر الابيض المتوسط، وخاصة قاعدة طرطوس التي تشكل عصب الاسطول الروسي على هذا البحر بعد فقدان روسيا قواعدها في ليبيا ومصر والجزائر. وهو ما يفسر وقوفها بقوة مع سوريا على المستويات العسكرية والسياسية والديبلوماسية خاصة في مجلس الامن الدولي؛
3.  التواجد وبشكل قوي خلف الدرع الصاروخي الاميركي الممتد من بولندا الى تركيا مرورا ببلغاريا؛
4.  تأمين تدفق الغاز عبر السيل الجنوبي لشركة غازبروم الى اوروبا، تماماً كالسيل  الشمالي الذي يمر في اوكرانيا.
تسعى روسيا الآن الى استعادة دور ونفوذ الاتحاد السوفياتي السابق مع تجنب الوصول الى سباق تسلح مع الولايات المتحدة بغية الحفاظ على النمو المضطرد لاقتصادها. غير ان الولايات المتحدة، وبتمويل صهيوني، استخدمت قوتان محليتان لزعزعة الوضع الروسي: "الاصولية الاسلامية المتشددة"، و"الحركات النازية المتشددة" في اوروبا الشرقية وفي الجمهوريات السوفياتية السابقة.
أما الاستراتيجيات الاقليمية ورغم اهميتها لا تستطيع العزف منفردة خارج دائرة الاشتباك الدولي. قد تستفيد كل منها من التقاطعات المرحلية بين ما هو اقليمي وما هو دولي، الا ان  حركتها مهما توسعت تصبّ اساساً في خانة الاقطاب الدولية.
من المهم جداً تحليل مقومات العمل الاقليمي وخاصة "الاسرائيلي" والتركي والايراني والعربي فيما يتعلق بمصر والسعودية وتأثيراتهم على سوريا الطبيعية، كما انه من المهم قراءة الاستراتيجيات الصينية وتطلعات الدول الكبرى الاخرى. غير انها واقعياً وعملياً ليست خارج اداء كل من الولايات المتحدة وروسيا في الوقت الراهن.
ان الاطلالة السريعة على المشاريع الجيو-بوليتيكية التي تستهدف منطقتنا ودينامياتها، لا تعفينا من الدراسات المتأنية لكل منها. لكن الاولوية تبقى في وضع الحجر الاساس للخروج من مأزقنا وتبني رؤية واضحة للنهوض على قاعدة الاسئلة التالية:
من نحن؟ أين نحن؟ الى اين؟ ما هي سبل الوصول؟
*عميد متقاعد وباحث استراتيجي
المراجع :
1.  أحمد داوود أوغلو، العمق الاستراتيجي، الدار العربية للعلوم، الطبعة الثانية، 2010؛
2.  وليد زيتوني، مقاربات جيوبوليتيكية، دار فكر للابحاث والنشر، 2012؛
3.  بيار سيليرييه، الجيوبوليتيكا والجيوستراتيجيا، تعريب عاطف علبي، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، 1993؛
4.  ريمون آرون، الجدل الكبير حول الاستراتيجية الذرية، دار طلاس؛
5.  انطون سعادة، المحاضرات العشر، لجنة النشر، 1952.

Saadeh Facebook  Saadeh Twitter Saadeh Email