عشية مرور قرن كامل على نشوب الحرب العالمية الأولى يحفزنا تساؤل رئيس حول العلاقة بين العرب والغرب في الشكل المباشر الذي تمخضت عنه المراسلات الانكليزية - العربية  حول مصير البلدان العربية بعد انفكاكها عن عهدة السلطنة العثمانية الآيلة إلى الزوال بمجرد انتهاء الحرب، وهو الزوال الذي ما كان يختلف عليه إثنان نتيجة حالة التفكك والانقسام اللذين ابتليت بهما السلطنة، والناشئين عن تضخم الدين العمومي العثماني، من ناحية؛ واستلام السلطة من قبل جمعية الاتحاد والترقي المشكوك بانتمائها إلى الاسلام، بنظر الكثير من المسلمين ، من ناحية ثانية؛ وتمرد الولايات القصية وانفصالها عن جسم السلطنة في غمرة الأحداث العالمية المتجهة بعنف متزايد إلى الخراب نتيجة الاحتراب العالمي ودخول العثمانيين طرفاً إلى جانب المحور ، من ناحية ثالثة.
-1-
لم يترك الانكليز العنان للأعمال الحربية كطرف أساسي في الصراع العالمي تحت لواء الحلفاء، بل سارت في خطوط متوازية مع العمل والنشاط السياسيين اللذين يعملان على تأمين الوسائل اللازمة لضمان سلامة الجبهات اللوجستية، وتأليب أهل الحل والربط، وقادة المجتمعات المحلية، والمحميات، والقبائل، ضد الدولة العثمانية  التي ما كان لها أن تفعل إلا الدفاع عن وجودها، ومحاكمة رعاياها المتمردين على السلطان، والعاملين على خيانته بالاتصال بقوى العدو، عسكرياً وسياسياً، ومحاكمتهم بتهمة الخيانة العظمى بإعدام من حضر أو نفيه، أو الحكم عليه غيابياً بالاعدام أو السجن .
هذا على مستوى البلدان التي كانت لا تزال بعهدة السلطنة وتحت سيطرتها. أما البلدان الأخرى التي كانت تحت سلطة الشريف حسين، أمير مكة وخادم الحرمين الشريفين، وأبنائه، فكان لها شأن آخر، تحارب إلى جانب الحلفاء، المختلفين في الدين والنوايا والتوجه، وتقارع الدولة العثمانية المتماثلة في الدين والنوايا والتوجه، وتلقى التعاطف والدعم من مناطق العرب الأخرى، وإن كان ثمة اختلاف في التصرف الناشئ إما عن المطالبة بالاستقلال الناجز، أو البقاء في كنف السلطنة مع المطالبة بالانضواء تحت لواء اللامركزية المأمولة بالاصلاح والاحتكام إلى الدستور ومحتوياته .
-2-
المفارقة في العلاقات الدولية المنسوجة عشية الحرب وأثناء اندلاعها، ليست في انقسام العالم المعني بها إلى فريقين متنازعين، فهذه سنّة الحروب وضريبتها وخرابها؛ بل في انقسام العثمانيين بين هذا الفريق العالمي وذاك. والانقسام هذا لم يبق في إطار التأييد والعاطفة، بل دخل في عمق العمليات العسكرية بين جبهة عربية إسلامية يقودها صاحب أعلى مقام ديني يتمثل بخدمة الحرمين الشريفين، مركز الاسلام في العالم، والسلطنة العثمانية التي كانت لا تزال حتى ذلك الحين تمثل الخلافة الاسلامية المتوارثة من عصر المماليك. وقد عبر عن هذه المفارقة زين نور الدين زين بقوله: "من الممتع أن نشير أن ثورة الشريف حسين ضد السلطان الذي هو أيضاً خليفة المسلمين نزلت كالصاعقة  على كثيرين من المسلمين السنيين في جميع أنحاء العالم، ولاسيما بين مسلمي الهند" . ولكي تستقيم الأمور، على الأقل من الوجهة الشكلية، عينت السلطنة العثمانية أميراً على مكة بديلاً عن الشريف حسين، وإن لم يستطع استلام مهامه.
كان الانكليز يدركون تماماً صعوبة تأليب المسلمين ضد بعضهم بعضاً. وخصوصاً أن مفهوم القومية العربية كان طري العود، ومن صنع المسيحيين الذين بدأوا ينسجونه في المشرق مع بطرس البستاني ونفير سورية، ومن مسيحيين كثيرين عرفوا برواد النهضة قبل أن يدركها النهضويون المسلمون بفترة طويلة، باستثناء أقلية ضئيلة منهم على رأسهم المفكر الحلبي عبد الرحمن الكواكبي، إما بسبب اعتبار السلطنة دولتهم وإن كانت بحاجة إلى الاصلاح، أو باعتبار أنهم لا يريدون الاستقلال عنها، لهذا السبب بعينه؛ فجاهروا بالمطالبة بنظام اللامركزية .
-3-
هذا الاختلاف الذي نشط في المشرق، وفي مصر من المغرب على الخصوص، بين دعاة القومية العربية الغريبة على أسماع المسلمين، والخلافة الاسلامية بقيادة العثمانيين تحت عنوان اللامركزية، لم يكن له صنو في الجزيرة العربية المتفلتة من قبضة العثمانيين، والطامحة، بقادة أمرائها ومشايخ القبائل فيها، إلى لعب دور رئيس لا يقل عن التربع على عرش مملكة عربية تحاكي موضة العصر السياسي في الغرب، وتبطن توجهاً سياسياً دينياً يكون في الظاهر والمضمون حاملاً إرث الخلافة الاسلامية من سلطنة لم يعد بمقدورها حمله، إما لعجزها عن الاستمرار اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وإما لعدم قدرتها على الاستمرار في حمل لواء الاسلام؛ وذلك يعود لسببين، الأول، عدم تديّن قادة الدولة الذين يدعون إلى العقيدة الطورانية، المتعالية على العرب والمناوئة لهم ، أو لانضمام أكثريتهم إلى الحركة الماسونية، أو لوجود عدد من القادة يعودون في أصلهم إلى اليهودية.
هذا ما عمل عليه الانكليز لضمان وفاء عرب الجزيرة لهم، مع ما يمكن ان ينضم إليهم من عرب المشرق. والثمن المعلن وعد للشريف حسن بتنصيبه ملكاً على مملكة عربية مترامية الأطراف تبدأ من الجزيرة العربية وتشمل شمالي أفريقيا والمشرق. وهو وعد لا يضمن وفاء عرب الجزيرة فحسب، بل أيضا، كما تهيأ للشريف حسين، وفاء العرب المؤيدين للمملكة العربية في كل مكان، إذ يكفي أن يعود للعرب مجدهم التليد ويعود الحق إلى أصحابه في نشر الرسالة، وقيادة الجغرافيا، أرضاً ومجتمعاً، والتطلع إلى قيادة المسلمين في العالم. هذا الأمل المنشود دفع العرب إلى أبعد من التأييد، دفعهم إلى الانخراط المباشر في الحرب، وإلى خوض المعارك وقطع المواصلات على الامدادات العثمانية، ومهاجمة قوافلهم في المدن والأرياف والصحراء.

-4-
ولأن الانكليز عولوا على وفاء العرب وعلى المساهمة في تنفيذ مخططاتهم في المشرق وفي الجزيرة العربية، أفرزوا للأمير فيصل ضابطاً انكليزيا محنكا، وعالماً بأحوال العرب وبعاداتهم وتقاليدهم، هو الضابط لورنس ، الذي كان يرافق الأمير فيصل كظله. وما كان له أن يكون في هذا الموقع لولا الحاجة الماسة لمعرفة أصغر التفاصيل في تحركات الأمير وفي تصرفاته، لتبقى القيادة العسكرية الإنكليزية على معرفة تامة بكل شيء صدر، أو يمكن أن يصدر، عن الأمير، وعن التحركات العربية.
ساهمت الحركة العربية بتقطيع أوصال الجغرافيا العثمانية، كما ساهمت في خسارتها للكثير من المواقع التي لولاها ما كانت لتخسرها في هذه السرعة، وإن كانت لن تؤثر على المدى البعيد في تقرير مصير الحرب. إلا أن الثابت لدى الانكليز أن الأمور المتعلقة بالحرب سياسياً وعسكرياً واستراتيجيا لا توضع، ولا يمكن أن توضع في سلة واحدة، إلا سلة السياسة العليا لصاحب الجلالة. ذلك أن ما كان يقوم به لورنس على صعيد المناوشات العسكرية مع فيصل، كان يقوم به مكماهون على صعيد ترتيب المنطقة المشرقية مع الشريف حسين ليوجد له مكاناً على رأس مملكة ليس من الضرورة أن تكون كل أجزاء الجغرافيا منضوية تحت لوائها، وفي الوقت نفسه ترتيب هذه المنطقة بحسب منطق مغاير أجمع عليه الحلفاء بعد الاجتماعات المتواصلة التي قام بها سايكس مع نظيره الفرنسي، وفي الجانب المحاذي يقوم بلفور بإغداق الوعود على اليهود، باسم صاحب الجلالة، بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، وهي القطعة المزمع سلخها، وقد سلخت بالفعل، في مراسلات حسين- مكماهون.
-5-
تكمن أهمية هذه المحادثات التي بدأت في منتصف 1915 وانتهت في الشهر الثالث من العام 1916 في انها بدأت باستمالة الشريف حسين و"حمله على الخروج على سلطة الأتراك...وذلك بتقديم العون له، وبضمانة استقلاله وسيادته في المستقبل" .
كشف النقاب عن هذه الرسائل سنة 1939 بعد انتفاء صفة السرية عنها. وقد كان أهم ما احتوت عليه يختلف عن السباب التي ادت في البداية إلى قيام هذه المراسلات. وقد أفصحت عن مضمون هام جداً يبين للشريف حسين ما هي المناطق التي يمكن أن تكون تحت سلطته في المملكة الموعودة، وما لا يمكن اعتباره داخلاً في المناطق العربية. ويبدو من هذه المراسلات أن النقطة الجوهرية التي استرعت انتباه الشريف حسين، في رسالته المؤرخة في 14 تموز، هي إظهار حدود الدولة المزمع إنشاؤها تحت قيادته. وقد جاءت رسالة مكماهون المؤرخة في 24 تشرين الأول، لتؤكد للشريف حسين ما كان مضمراً في استراتيجية الانكليز السياسية، وهي أن "بريطانيا العظمى مستعدة أن تعترف باستقلال العرب وأن تؤيد ذلك الاستقلال في جميع الأقاليم الداخلة في الحدود التي يطلبها دولة شريف مكة" ... ولكن.. هنا تبدأ السياسة المضمرة بالظهور. ولكن هذه الحدود عرضة لبعض التعديلات التي تتلاءم مع السياسة الانكليزية إن كان مع حليفتها فرنسا، أو مع ما يمكن أن يشكل الأساس للمعاهدة المستقبلية مع الأتراك، أو لوطن اليهود في فلسطين، وربما لوطن المسيحيين في لبنان إنسجاماً ومسايرة للتطلعات الفرنسية.وقد ظهر الرد في هذا الخصوص على الشكل التالي: "أولاً إستثناء ولايتي مرسين واسكمندرونة، واجزاء من بلاد الشام الواقعة في الجهة الغربية لولايات دمشق والشام وحمص وحلب وحماه التي لا يمكن أن يقال إنها عربية محضةوثانياً باستثناء بعض المناطق الداخلة في الحدود التي تشعر بريطانيا أنها ليست حرة التصرف فيها دون أن تمس مصالح حليفتها فرنسا" . وهنا يظهر بما لا يقبل اللبس إلتزامات بريطانيا المغايرة لطموحات العرب وآمالهم. وقد ظهر فيما بعد ما كانت تعده بريطانيا وفرنسا للتنفيذ، إن كان بالنسبة للمناطق التي أعطيت لتركيا سنة 1939، بموجب المعاهدة الفرنسية – التركية التي انعقدت في العام 1938، لظروف لها علاقة بالحرب العالمية الثانية ؛ أو بالنسبة لقيام دولة إسرائيل في 1948، وإنبقي لبنان تحت العهدة الفرنسية بنظام أعطى للمسيحيين، ولو إلى حين، القيادة في الحكم، بعد فقدان الأمل بإنشاء وطن قومي لهم بعدما أرسل الموارنة إلى مؤتمر السلام في باريس وفدا للمطالبة بـ "إقامة دولة مسيحية في لبنان مرة واحدة وإلى الأبد" .
-6-
كان الانكليز بحنكتهم السياسية المعهودة، وبقوتهم العسكرية، يعملون في المنطقة العربية على موجات متعددة، ولكن متناغمة، إن كان في علاقتهم التحالفية مع الفرنسيين، أو في تعهدهم باحتضان المشروع الصهيوني- اليهودي في فلسطين، أو في علاقتهم الرجراجة مع العرب، أو في مساعدتهم العسكرية لهم، بما يرتئيه ويطلبه لورنس. بينما كان العرب منقسمين بين مؤيد ومعارض لما يقوم به الشريف حسين وأبناؤه، وخصوصاً الأمير فيصل، الملك على العراق فيما بعد. والمعارض هنا، ما كانت معارضته تقوم بمعزل عن نصرة الأخ ظالماً أو مظلوماً. والأخ في الدين أعلى مرتبة من الأخ في العنصر أو القومية، وإن كان أقلها في رابطة الدم والنسب. العرب هؤلاء كانو يعملون على موجة واحدة، إما تطلب السلطة، من ناحية، كما في جانب الحركة العربية؛ أو المساعدة في المحافظة عليها، كما في جانب السلطنة العثمانية، ومن يقودها من الطورانيين المكروهين من أكثر العرب، من ناحية ثانية. وقد تجسد هذا الانقسام في مشهد ثنائي، على غرار كل الانقسامات السابقة واللاحقة: عرب الجمعية الاصلاحية الموالية للسلطنة التي تحكم باسم الدين والملل شبه المستقلة، وعرب جمعية الاتحاد والترقي القومية، صاحبة العقيدة الطورانية، الأقرب إلى التوجه الدنيوي. وعلى هذه الموجة المقسومة، ما كان للعرب أن يساهموا وينجحوا في المحافظة على السلطة والسلطنة، ولا على الوصول إلى ما كانوا يأملون في بناء مملكة عربية متحدة من المحيط إلى الخليج.
اعتمد الحلفاء في تأمين مصالحهم على الذراع العسكرية ومعاهداتهم السياسية. واعتمد العرب على وعود الانكليز والفرنسيين المختلفة في توجهها، باختلاف مصالحهم الوطنية، وانبنى الاعتماد على المراسلات والكلام. وجاءت النتائج مخيبة. والخيبة انبثقت من الاختلاف في النظرة إلى الوعود. بالنسبة للانكليز لم تكن الوعود أكثر من كلام خاضع للمتغيرات السياسية والميدانية، وبالتالي يمكن أن تتغير بتغير السياسة والموقع على الأرض؛ وبالنسبة للعرب، وعود الأحرار دَين عليهم. ويمكن أن يُختصر المشهد على الشكل التالي: تأمين المصالح بالاعتماد على ما يمكن أن تنتهي إليه المتغيرات السياسية، مقابل انتظار تحقيق الوعود بالاعتماد على الثبات الأخلاقي. وقد عبّر عن ذلك، بعد أكثر من ثمانية عقود، وفي موقف مماثل، وزير الخارجية الأميركية آنذاك هنري كيسنجر بعبارته المشهورة " ينبغي ألا نخلط بين السياسة الخارجية والعمل التبشيري" ، وهي السياسة التي ما زالت مستمرة لدى الغرب، وقد ورثتها الولايات المتحدة عن البريطانيين. وما زال العرب يعتمدون على الوعود والكلام باعتبارها ثوابت لا تحول ولا تزول. الغرب يحصد ما تزرعه استراتيجيته، والعرب يحصدون العاصفة.
-7-
كان من نتائج هذه السياسة أن عرف العرب بأن لهم حصة بانتصار الحلفاء. ولكنها حصة غير محددة الجوانب ولا ذات تفاصيل واضحة. وهذا ما أصرّ الشريف حسين على معرفته من المعتمد البريطاني في مصر، مكماهون، وإن وصل إلى جواب لا يشفي الغليل. ويؤكد هذا الجواب، على سبيل التذكير، بأن البلاد العربية لا يمكن أن تكون كلها ملكاًللشريف حسين، أو تحت سلطته.وعرف اليهود أن لهم حصة في " أرض الميعاد" حسب ما تقول الأسطورة اليهودية. وعرف الفرنسيون أن حصتهم مأمونة عند اقتسام التركة العثمانية. وعرف الانكليز بالمقابل أن وعودهم للعرب ستذهب بحصتهم من الغنيمة إذا ما وفوا بها، فيخرجوا من المنطقة بوفاض خال، وهو ما لا يتناسب مع موقعهم في العالم، ولا مع جهودهم المبذولة لاقتسام تركة الرجل العثماني المريض. فبدأ السباق بين جيوش الانكليز بقيادة اللنبي والجيش العربي بقيادة فيصل لاحتلال دمشق، قلب المشرق النابض والعاصمة المأمولة للمملكة العربية .
لم يستعجل الانكليز الدخول إلى دمشق إلا للابقاء على زمام الامور في أيديهم، وليتصرفوا حسب ما التزموا به تجاه الحلفاء والأصدقاء، إن كان بالنسبة للايفاء بوعودهم تجاه العرب، أو عدمه، أو لتنفيذ المعاهدة السرية التي بقيت كذلك حتى قيام الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا ، بالاضافة إلى الوعد الذي قطعه بلفور، باسم الملك البريطاني، لليهود. ومن المهم، هنا، إدراج ما قاله تروتسكي، وزير الخارجية الروسية، إبان الثورة،"إن جميع المعاهدات السرية هي الآن في متناول يدي. وهذه الوثائق التي ثبت أن بنودها تنطوي على لؤم  يفوق ما كنا نتوقعه، ستنشر قريباً.." .
-8-
في هذه الحالة،كان على الانكليز أن يطرحوا على أنفسهم التساؤلات التالية: ماذا عليهم أن يفعلوا؟ أيفوا بوعودهم للعرب، أم ينفذوا معاهدة سايكس- بيكو التي أعطت بلاد الشام للفرنسيين، وهي البلاد الداخلة ضمن المملكة العربية الموعودة؟ وأين تذهب مصداقيتهم في حال عدم التنفيذ، علماً أن فلسطين كانت من حصتهم، حسب سايكس – بيكو، ليفوا بوعدهم الذي قطعوه لليهود؟ فجاءت المحصلة كما يلي:
-  تنفيذ معاهدة سايكس بيكو بحذافيرها حسب ما نصت عليه بالنسبة للانكليز والفرنسيين، وإن لحقها بعد ذلك، بعض التعديلات الطفيفة.
-  نشر وعد بلفور الذي يقول بأن حكومة ملك الانكليز"تنظر بعين الرضا إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهوديفي فلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية" ، مع التجاهل التام لحقوق الفلسطينيين المشروعة في أرضهم ووطنهم وجنسيتهم. وقد نفذ الانكليز الوعد،ببذل الجهود المثمرة، وبمشاركة مباشرة من العصابات الصهيونية، من أجل قيام دولة إسرائيل. وقد قامت بغير إعلان عن حدودها أو عن نظامها السياسي، باعتبارها دولة، لم تكتمل بعد، تمتد من الفرات إلى النيل، ووطناً نهائياً لليهود في العالم.
-  التخلي عن الوعود للعرب، بنتيجة اتفاق سايكس – بيكو، ومؤتمر سان ريمو 1920، وهو التخلي الذي وصل إلى الجهر بالخلاف مع فيصل، فكان أن أعلن حكومته من دمشق، وانضم إليه عروبيو لبنان ساحلاً وجبلاً. ما يعني، بالنسبة للانكليز، الاخلال بالمعاهدة مع الفرنسيين، وخصوصاً أنها المنطقة التي تشكل حصتهم، وعلى الانكليز تسليمها لهم باعتبارهم أصدقاء الحركة العربية ومناصريها، ويمكن التفاهم معها على هذا الأساس. وتضارب المصالح بين ما اعتبره العرب من حقهم، وما اعتبره الانكليز اخلالاً بمعاهداتهم ومصداقيتهم، أوصل إلى المواجهة العسكرية في ميسلون بين الفرنسيين والجيش العربي. وهي المواجهةالتي كان لا بد منها، تحت أسماع الانكليز وعلى مرأى من أبصارهم، بعد التنصل من وعودهم، أو من جلّها على الأقل . وهي المواجهة التي أدت إلى استشهاد وزير الدفاع في الحكومة العربية يوسف العظمة واحتلال دمشق وإسقاط الحكومة العربية ونفي الأمير فيصل، ومن ثم تثبيت الانتداب كما أعلن في سان ريمو، وتقسيم المشرق كما جاء حرفياً في نصوص المعاهدة.
-  تقزيم المملكة العربية الموعودة وتقسيمها بين ولدي الملك حسين، الأمير فيصل ملكاً على العراق، والأمير عبدالله ملكاً على الأردن ، بما يتناسب مع توجه الانكليز بانتداب مباشر، وتكريس كياني يبعد أي إمكانية للوحدة أو التقارب، إن كان في حصتهم، أو في حصة الفرنسيين.
-  إعلان دولة لبنان الكبير بملحقات سلخت من ولايات عثمانية سابقة، وانضمت إلى جبل لبنان لتصير مع الجبل، الجمهورية اللبنانية بحدودها الحاضرة وبتغير ديموغرافي لم يعهده جبل لبنان من قبل. وتقاسمت الطائفتان الوازنتان المارونية والدرزية طائفتين كانتا تشكلان الأقلية، هما السنية والشيعية، إشغال مساحة الجمهورية الجديدة، بحيث أصبحتا زاويتي مثلث شبه متوازي الأضلاع بنسبة تتراوح بين 23 و 24 و25% من سكان لبنان، وتراجعت نسبة الدروز، بالاضافة إلى تخليها عن مركز الصدارة في سياسة الجبل، لتلتحق بالأقليتين الوازنتين الأرثوذكسية والكاثوليكية، بالاضافة إلى إثنتي عشرة طائفة غيرها، قلّ عددها أو كثر. وهي جميعاً، تشكل مجموع سكان لبنان، البلد الذي لا يزال يعاني نتيجة هذا التعدد الطائفي الذي أوصل إيديولوجياً إلى تعدد ثقافي ليبرر انقسام اللبنانيين. وهو الانقسام الذي كرّسه ولا يزال يكرسه، نظام سياسي- اجتماعي يجعل من الطائفة وحدة الاهتمام بدل المواطن والمواطنية.
-9-
كان لبنانيو الجبل المتنورون، وعلى رأسهم بطرس البستاني، في مجال تفكير آخر. فقد كان يدعو، بأفكار عامة، إلى التآخي ونبذ التعصب والانصهار في البوتقة الوطنية الواحدة. ولم يدع في كل ما كتبه في "نفير سورية"إلى التحرر من نير الأتراك صراحة. إلا أن هذا التوجه تبلور فيما بعد بالمناداة الصريحة بالقومية العربية التي يمكن أن تربط العرب برباطها على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، إذا حصل الانفصال عن الدولة العثمانية. ومن الطبيعي أن يكون أصحاب هذه الدعوة من المسيحيين، ليس باعتبارهم أصحاب نظريات في القومية، أو في العناصر الأساسية المشكلة للأمة، أو في كيفية نشوء الأمم، بل نظروا إلى المسألة نظرة سياسية، تقربهم من نظرائهم المسلمين، وتسهل عليهم إمكانية الانفصال عن السلطنة العثمانية. وهو المبرر الذي يحررهم، في حال حصوله، من سلطة دينية مغايرة، ومن دولة تعتمد الشريعة في حكمها، وإن في الظاهر، وتخلت بكل سهولة عن الدستور، إبان حكم عبد الحميد.
من الطبيعي أن لا يجاري المتنورون المسلمون زملاءهم من المسيحيين، ليس لتعصب متأصل فيهم، بل لأنهم يعتبرون أن السلطنة العثمانية تمثل طموحهم، وقادرة على إظهار شخصيتهم كمسلمين وعرب، وإن كانت بحاجة إلى الاصلاح، واعتماد اللامركزية.كما أن مفهوم القومية، كان غريباً عنهم، كما مفهوم العلمانية. ويمكن أن يستثنى من ذلك عبد الرحمن الكواكبي الحلبي الذي كان يفرق تفريقاً دقيقاً بين الدين والقومية. ويؤمن بأحقية العرب في قيادة المسلمين .
يعتبر الصليبي في هذا الاطار أن القومية العربية " المسيحية" لم تختلف عن القومية العربية " المسلمة" التي دعا إليها الكواكبي إلا في العلاقة مع العثمانيين. الأولى تدعو إلى الانفصال، والثانية إلى رفع راية الاسلام بقيادة العرب. لذلك لم يكن بمقدور المتنورين المسلمين، حتى ذلك الحين، الفصل عملياً بين العروبة والاسلام .
بدأ التقارب بين دعاة القومية، تحت أي عنوان كان، عربية، سورية، أو لبنانية، عندما بدأت جمعية الاتحاد والترقي الحكم باسم القومية التركية. وكان هذا التقارب مؤشراً لبداية التعاون بين العرب على اختلافهم للتخلص من العثمانيين. وهذا ما حصل فعلا.
إلا أن الموقف بدأ بالتغير بعد إعلان الثورة العربية ضد العثمانيين. وهي الثورة التي أخذت لواء العروبة من المسيحيين. ورأى هؤلاء أن ثمة إمكانية لقيام دولة عربية قوية مترامية الأطراف، سيضيعون مجدداً في خضمها. ولم يظهر الأمر على هذا الشكل إلا بعد انخراط الأتراك في الطورانية، وفي قومية تركية تناقض توجه العرب، وتعلو على قوميتهم وتاريخهم، فوجد هؤلاء في القومية العربية ضالتهم. وإذا تمسك المسيحيون بعروبتهم ليتخلصوا من العثمانيين، فماذا عليهم أن يفعلوا ليتخلصوا من عروبتهم التي عليها أن تضيع مجدداً في بحر من المسلمين؟وهي العروبة التي يستحيل عليهم إيجادها مفصولة عن الاسلام؟ فكانت العودة إلى الروابط الأهلية الأولى الدلالةَ الثانية على التمسك السياسي بالقومية لبلوغ مأرب ذاتي، طالما الروابط الأهلية ذاتية التوجة في أصلها وفصلها، وليس التمسك الموضوعي المبني على مبادئ المجتمع وفهم ظواهره، أو وعي مفهوم المواطنية فكراً وممارسة، حسب ما ينطق به الفكر العقلاني. وعند بلوغ المأرب الاستقلالي عن العثمانيين، ظهر مأرب آخر يبغي الحفاظ على الوجود، مقابل وجود آخر أعم وأغلب: الوجود المسلم بتوجه سياسي إسلامي، باسم القومية العربية؛ وهو التوجه الذيلا يستقيم معه، بعرف المتنورين المسيحيين، إلا توجه مماثل بنيوياً، وهو الوجود المسيحي، باسم القومية اللبنانية، ويدركون تماماً أن لا إمكانية لوجوده إلا بالدعم والوصاية الفرنسيين.


-10-
ظهر الأمر وكأن فرنسا تعمل على استقلال لبنان بمعزل عن أماني العرب في إنشاء دولتهم المستقلة. كما ظهر أن الانكليز يعملون على إقامة المملكة العربية بمعزل عن أماني اللبنانيين المسيحيين بالاستقلال.
  أظهرت الأحداث المتعلقة بالمنطقة، والنشاطات التي أعقبتها لاعادة تقسيمها بانتهاء الحرب العالمية الأولى أن التناقضات الطائفية تهيمن على التفكير السياسي والوطني للمهتمين كافة بشؤون بلادهم. فالمطالبون باستقلال لبنان وتوسيعه لتوفير أسباب المعيشة هم المسيحيون الذين يخافون، كما كانوا في السابق، الذوبان في بحر من المسلمين. كما أن المطالبين بالدولة العربية بقيادة فيصل هم من المسلمين الذين وجدوا في الشريف حسين القائد الذي يستطيع إعادة مجد المسلمين وقوتهم. "وربما الفئة الثالثة التي طالبت باستقلال سورية كانت تعي تلك التناقضات الطائفية، وتعتبر أن الانتصار على هذه التناقضات يكمن في رفض منطق كل من الدعوتين الطائفيتين السابقتين، والدعوة إلى نوع من اللاطائفية، وذلك بفصل الدين عن الدولة، بدليل أن اللجنة المركزية السورية كانت تضم أعضاء من المسيحيين والمسلمين" .
  توافقت المصالح الفرنسية مع أماني البطريرك الحويك المدعومة من قوى دينية وسياسية، وظهر أن استقلال لبنان كما يريده الموارنة أصبح قريب المنال، وإن كان على حساب التوافق الداخلي، في البداية. وانعكس ذلك في طريقة استقبال الفرنسيين بين مؤيد ومعارض، مع ما تلبسه المواقف المؤيدة والمعارضة من أردية طائفية. وزاد الموقف توتراً بعد إعلان الأمير فيصل ملكاً على سورية في المؤتمر السوري العام سنة 1919،"على ان تراعى أماني اللبنانيين الوطنية في كيفية إدارة مقاطعتهم لبنان ضمن حدوده المعروفة قبل الحرب العامة، بشرط أن يكون بمعزل عن كل تأثير أجنبي" .
-11-
وهكذا ظهر لبنان الكبير إلى العلن في العام 1920 على أنقاض طموحات العاملين على استقلال سورية بعد ميسلون. ظهر وتتنازعه قوتان ترتديان ألبسة قومية من عربية ولبنانية على جسمين متوهجين في لونيهما الديني. واستمر الأمر كما كان، وتشرعن أكثر، وصار النظام الطائفي دين الوطن وديدنه. ووصل الأمر إلى خلع الأردية البراقة، وظهرت الأجسام على حقيقتها، ليس على الوجهين الدينيين، المسيحي والمسلم، فحسب، بل بالاضافة إلى ذلك، على أوجه المذاهب والطوائف والملل والنحل، وبتنا نترحم على ما مضى من الأيام، ونخشى من أن يكون حاضرنا أفضل بكثير مما سيأتي.




Saadeh Facebook  Saadeh Twitter Saadeh Email