مئة عام مضت على صدور كتاب " دمعة وابتسامة" لجبران خليل جبران فهو صدر في العام 1914 من 197 صفحة وهو كتابه الرابع في العربية بعد " الموسقى" 1905 و " عرائس المروج" 1906 و "الارواح المتمردة" 1908 و "الاجنحة المتكسرة" 1912 .

ويضم الكتاب عددا من المقالات والقصص والقصائد كان جبران قد كتبها لجريدة "المهاجر" لصاحبها أمين غريب ما بين 1903 و 1908 وجمعت ونشرت في كتاب سنة 1914. أما أهداء الكتاب فهوالى MEH ماري هاسكل، ويقول في الاهداء" أقدم هذا الكتاب وهو أول نسخة من عاصفة حياتي الى الروح النبيلة التي تحب النسمات وتسير مع العواصف ". ومثبت في سيرة جبران ووقائع حياته الدور الفاعل والاساسي الذي لعبته ماري هاسكل في دعم جبران لتحقيق مواهبه واثبات نفسه. وثمة مقالة في الكتاب بعنوان " جمال الموت" ويرفعها الى ماري هاسكل ايضا.

في هذا الكتاب تتمحور مقالات جبران حول المواضيع التالية : الطبيعة، الحب المجتمع والوجود . ينحاز جبران في كتاباته على مألوفه الى جانب المظلومين والمضطهدين ويسمى الفقير" يا خليلي الفقير" معتبراً ان حياة الفقير طاهرة وشريفة ومثالية.

يقدس جبران الالم ويتسق في ذلك مع عصره شأنه شأن الرومنسيين الذين يعتبرون ان الالم يطهر الانسان من الفساد والشرور والنزعات المادية. وجبران المتمرد يقول : " رأيت الابتذال يسير بموكب عظيم والناس يدعونه الحرية. رأيت الدين مدفوناً طي الكتاب والوهم قائماً مقامه..." ويسأل " أهذه هي الارض يا ابنة الآلهة ؟ أهذا هو الانسان".

وفي توطئة الكتاب نعرف لماذا سمى جبران كتابه " دمعة وابتسامة" فهو يقول : " اتمنى ان تبقى حياتي دمعة وابتسامة. دمعة تطهر قلبي وتفهمنى اسرار الحياة وغوامضها، وابتسامة تدنيني  من ابناء بجدتي وتكون رمز تمجيدي الآلهة . دمعة اشارك بها مستحقي القلب، وابتسامة تكون عنوان فرحي بوجودي".
يظهر جبران مراجعه في هذا الكتاب وتظهر أيضاً تأثراته بالرومنسية والصوفية والافلاطونية والافلوطنية والمسيحية والفلسفات الشرقية. يقول :" سمعت تعاليم كنفوشيوس، واصغيت لحكمة برهما،وجلست بقرب بوذا تحت شجرة المعرفة، وها أنا الان أغالب الجهل والجحود، وكنت على الطور اذ تجلى يهوه لموسى، وفي عبر الاردن رأيت معجزات الناصري، وفي المدينة سمعت أقوال رسول العرب، وها أنا الآن أسير الحيرة". ولكن جبران يؤكد في مكان آخر انسانيته العالمية " الارض كلها وطني وجميع البشر مواطني" او " جئت لأكون للكل وبالكل".

في مقالة يوم مولدي " نلمس عاطفة جبران ومحبته للآخر، للناس اذ يقول : " وقد احببت الناس، احببتهم كثيرا، والناس في شرعي ثلاثة: واحد يلعن الحياة، وواحد يباركها، وواحد يتأمل بها. فقد أحببت الاول لتعاسته، والثاني لسماحته والثالث لمداركه". وفي الكتاب آراء واضحة لجبران في مفاهيم متعددة وعلى طريقته فهو يرى ان " الجمال هو ما تراه وتود ان تعطي لا ان تأخذ" وان " السعادة تتبدىء في قدس أقداس النفس ولا تأتي من الخارج".
وفي نظرته الى السياسة يقول " أعفني من مآتي السياسة واخبار السلطة. لان الارض كلها وطني وجميع البشر مواطني". وفي عبارة مقطوفة من التراث الصوفي يقول : سر الى الامام فالامام هو الكمال" وهي تشبه ما قاله أحد كبار الصوفيين " الامام لا يلتفت" ولكن بين الواقع والاحلام تجنح عبارة جبران مجنحة على هذا النحو " من لا يصرف الايام على مسرح الاحلام كان عبد الايام".

ويزين جبران مقدمات مقالاته باقوال مثل " ان الجمال دين الحكماء" وهي لشاعر هندي او لجان كيتس " هنا رفات من كتب اسمه بماء" وتذكرنا هذه العبارة بشطر من قصيدته الشهيرة " اعطني  الناي وغني" والتي انشدتها فيروز بلحن من نجيب حنكش وتوزيع الاخوين رحباني اذ يقول : انما الناس سطور لكن بماء ".
وفي شبه تناص يكتب جبران ايضا منهياً مقالته " احفروا على لوح قبري، هنا بقايا من كتب اسمه على اديم السماء باحرف من نار". او "رأيت كل الاعمال التي عملت تحت الشمس فاذا الكل باطل وقبض الريح". والقول موقع من الجامعة . او " في نظرات الحيوان الابكم كلام تفهمه نفس الحكيم، وهي ايضا لشاعر هندي ويستشهد بكلام القرآن الكريم " وكنتم امواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون".
يظهر الكتاب ايضا شعور جبران المتعاظم بالغربة في تلك الفترة فيصف نفسه بانه " نبي  منبوذ في أمته وشاعر غريب بين أهله".

ولكن ما هو موقف جبران من الوطن (عن بعد )؟ يذكرجبران الكثير من الاماكن في لبنان ويحن اليها حنينا صادقا ويرى ان الوطن " سيعود الى الرقي بعد فترات الانحطاط". ومثلما  "الزهرة لا تعود الى الحياة الا بعد الموت". ويناجي سوريا " الى اللقاء يا سوريا الى اللقاء" ويعني لقاء الرقي والنهضة والتقدم. ويتساءل لماذا يهدم الانسان ما تبنيه الطبيعة.

في قصة "بين الخرائب" يعود جبران الى موضوعه الاحلى، الى الحب رافعا من قيمة الحب وانه لا يبقى الا وحده" انقرضت الدولة العظيمة التي أسسها سليمان وانقاض الهيكل، ونفدت حكمته قيمتها ولم يبق غير حبه واناشيد حبه. اذ لا تحفظ " الابدية الا المحبة لانها مثلها". وفي خاتمة الكتاب يقول جبران كلمته الخالدة التي ستظهر فيما بعد بقوة " جئت لاقول كلمة وسأقولها واذا ارجعني الموت قبل ان الفظها يقولها الغد" هكذا رأى نفسه في الآن والغد، وهكذا كان .

جبران في "دمعة وابتسامة " في مرانه وصعوبته، وفي رقته وتمرده، وفي طريقه الطويل الى تحفته "النبي" في اللغة والفكر والمقاربة، وفي الطريق نحو قراره الخطير ان يبدأ بالكتابة والنشر بالانكليزية. وهذا ما فعله فيما بعد بدءاً من كتاب " المواكب" 1919 والعواصف 1920 والبدائع والطرائف 1923.
كتاب "دمعة وابتسامة" 1914 وحتى 2014 لا يمر الزمان على الاصيل ولا يُبلى بل لعل  الايام تزيده توهجاً ولمعاناً وشعشعة مثل الشعاع المرسل نحو الافق.
Saadeh Facebook  Saadeh Twitter Saadeh Email