المشرقية...كلمة في مساحاتٍ مختلفة

تعددت الاحزاب والشخصيات والمؤسسات الاعلامية التي استخدمت في الفترة الماضية كلمة " المشرقية " أو " المشرق العربي "، والالتقاء على هذه الكلمات يعود إلى ارتباط دول المشرق العربي ببعضها جغرافيا واجتماعيا وحضاريا من جهة وكونها تمر جميعها بأزمة وجودية واحدة، ففرضت نفسها على كل التيارات السياسية والاقتصادية والدينية والثقافية فإما تم استخدامها للتعبير عن عقيدة او نظرة اقتصادية او أحداث سياسية مترابطة. نحاول فيما يلي إعطاء لمحة عن التنوع في استخدام هذه المصطلحات على الرغم من الاختلاف في منطلق كل جهة استخدمتها لإيصال فكرة محددة منها تتناسب مع توجهاتها ومنطلقاتها.

المشرقية " إعلاميا "
على شاشة قناة الميادين تقدم فكرة المشرق العربي بمحاور مختلفة، فيعرض برنامج اجراس المشرق الذي يقدمه ويعده الباحث غسان الشامي، وهو برنامج " يهتم بشؤون المسيحين في المشرق والمشكلات الراهنة التي تعترض المسيحين المشرقيين "، يحاور في الحضارة المشرقية مستضيفا رجال دين ومفكرين للبحث في البعد الثقافي والفكري في المشرق، وكانت مروحة الحوارات متنوعة بتنوع الضيوف، فمن مطرن حلب للسريان الأرثوذكس ابراهيم حنا وامين عام الحوار الاسلامي المسيحي محمد سماك والمفكر فراس سواح والدكتور محمد محفل ومطران الارمن الأرثوذكس في دمشق أرماش نالبنديان والنائب العراقي يونادم كنا وغيرهم، ضمن عملية ربط التاريخ بالحاضر والمستقبل، في مساحة لإظهار المشترك من الحضارات القديمة إلى المسيحية و الاسلام. ضمن نشرات الاخبار اليومية تقدم نشرة تحت عنوان " العراق وسوريا " يعرض في النشرة الاخبار والاحداث الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والامنية في البلدين بهدف إيصال صورة ارتباط مسار ومصير البلدين معا في مختلف القضايا المشتركة.

جريدة الاخبار اللبنانية أفردت زاوية خاصة في قسم الرأي تحت عنوان " قضايا المشرق "، يعرض فيها مساهمات في قضايا ( سوريا، لبنان، الاردن، فلسطين، العراق )، فتناولت الجريدة في عددها الصادر في 2 آب 2013 قضية العلاقات السورية – اللبنانية ففتحت باب المساهمة في حوار يهدف للوصول إلى " إطار سياسي جديد، يسمح للمثقفين السوريين واللبنانيين، بالتأثير على مجرى التطورات، والمشاركة في بناء الصيغة السورية ـ اللبنانية الجديدة "، فاعتبر الكاتب علاء المولى أنه حين يكون الشأن يتعلق بسوريا فإن انتماء الاقضية الاربعة في لبنان " محفور في الوجدان وتحت الطبقات المتراكمة فوق سطح الوعي الجمعي. وهذه الحقيقة لا تزال حاضرة بقوة، وتزداد صلابة ". في عددها الصادر في 17 آب 2103 تناولت قضية العلاقات الاردنية الفلسطينية ووضعهما على مذبح المفاوضات التي تسعى الولايات المتحدة الاميركية على تنفيذها بالتزامن مع الازمة السورية، فحذر الكاتب مصطفى أرشيد من فلسطين من خطورة المفاوضات التي تسعى الولايات المتحدة الاميركية لتنفيذها بأسرع وقت في زمن يعاني في البيت الفلسطيني من الخلل " الذي أوقف كل أشكال العمل السياسي المقاوم والدبلوماسي، لاعتقاده أن لا خيار إلا خيار التفاوض، ثم أعلن وقف خيار التفاوض، وأن لا عودة إلى هذا الخيار إلا بعد وقف الاستيطان، معطياً الإسرائيلي كامل الوقت والفرصة للاستيطان ".

ونشرت " الاخبار " نداء للجماهير في المشرق العربي في عددها الصادر في 8 تموز 2013، استعرضت فيها تاريخ وتنوع دول المشرق العربي والاخطار التي تمر بها والفرص المتاحة امامها، فدعت إلى تطوير العلاقات السورية العراقية والاردنية العراقية والتكامل بين عواصم المشرق العربي بهدف أساسي هو تحرير فلسطين، وأشار النداء أن الاتحاد المشرقي ( ليس مجرد فكرة ثقافية أو عقائدية، بل مشروع جيوسياسي تاريخي )، مشيرا إلى أهمية وقوف مختلف التيارات الوطنية والقومية وراء هذا المشروع.

لم تكن جريدة السفير بعيدة عن الفكرة المشرقية، فكتب رئيس تحريرها طلال سلمان في 24 نيسان 2013 افتتاحية بعنوان " قراءة مشرقية للهلال الشيعي : اعتماد النموذج الاسرائيلي ؟ " وقد انتقد فيه تصريح الملك الاردني عبد الله بن الحسين حول تسميتها الخطر الحالي بالمنطقة بالهلال الشيعي واعتبار الكاتب أن خرائط الدول التي أقيمت في بدايات القرن العشرين بيد المستعمر هي الان مهددة باحتمال تقسيمها على أسس طائفية ومذهبية، وأضاف أن اسرائيل هي الدولة الدينية الوحيدة في العالم القوية والمحصنة التي لا يطالها الهلال الشيعي. واعتبر فريد الخازن في مقالته الصادرة في 22 حزيران 2013 أن المسألة الشرقية الجديدة هي بناء الدولة الوطنية اولا ، فالكاتب يعتبر أن" الدولة الوطنية بحدودها الحاضرة قائمة وليس ثمة فراغ يجب ملؤه بدول جديدة، تأميناً لمصالح الدول الكبرى، مثلما كانت عليه الحال في زمن سايكس - بيكو. وفي سوريا، الأكثر عرضة للتشرذم، فلا مصلحة لأي طرف ان تنشأ كيانات جديدة على أنقاض الدولة ". واعتبر الفضل شلق أن التنوع في المشرق العربي مهدد بالتلاشي نتيجة الحرب التي تخاض ضد دوله، وأوضح في مقالته في 31 أيار 2013، أن الحل للوقوف في وجه هذا المخطط هو " أن تصير الدولة مكوناً اجتماعياً وسياسياً وحيداً. لا تحمي الطوائف نفسها بأن تصير مكونات سياسية. يحمي أفراد الطوائف أنفسهم بالانصهار في الدولة ".

 المشرقية في الحراك الاسلامي

لم تكن الحركات السلفية والجهادية خارج دائرة المشرقية حتى وإن لم تعتمدها بالاسم، وإنما ضمن رؤيتها الاسلامية فهي ترى هذه المنطقة الجغرافية واحدة تسعى لتحقيق إمارة إسلامية فيها ، فحركة القاعدة في العراق اتخذت بعد دخولها الحرب في سوريا وعدم إمكانية توحدها مع جبهة النصرة اسم دولة العراق والشام الاسلامية وهو ما دعا إليه أبو بكرا البغدادي امير القاعدة في العراق، وأشارت صحيفة فايننشال تايمز إلى إن تنظيم الدول الاسلامية في العراق والشام يتخذ شعار " من ديالي إلى بيروت " ليعبر فيه عن أهدافه وطموحاته في السيطرة على كامل المنطقة. دخول التيارات التكفيرية في العراق وسوريا ولبنان بدأ يطرح فكرة الاسلام المشرقي وتيار أهل الشام المعتدل، فكتب علاء الحلبي في صحيفة السفير مقالا في 3 نيسان 2013 ،بعد اغتيال العلامة محمد سعيد رمضان البوطي، ان المشهد الاعمق في الازمة السورية هو حرب وهابية على الاسلام الصوفي الذي يتميز به اهل الشام.  

مشاريع مشرقية

عقد في بيروت بدعوة من مركز اللقاء المشرقي في 5 تموز 2013 لقاء تحت عنوان " اللقاء المشرقي للدفاع عن سوريا "، فدعا الكاتب الاردني ناهض حتر إلى " التدخل المشرقي في سوريا لضمان الانتصار في أربع معارك: استئصال الإرهاب، معركة إعادة البناء، معركة تجديد الدولة الوطنية المدنية العلمانية الديموقراطية، ومعركة تعزيز خط المقاومة "، كما أشار الكاتب الفلسطيني سعادة أرشيد إلى وحدانية المعركة  من البصرة حتى غزة وحلب وحمص والقصير وصيدا، وأضاف الكاتب العراقي فاضل الربيعي أن " كتّاب التاريخ ارتكبوا خطأً فادحاً حين لفقوا مصطلح (الإمبراطورية الآشورية) وانصرفت الأذهان دائماً إلى أن المقصود منه هو العراق وحده، والأدق هو (الإمبراطورية الآشورية ـــ السورية) وهي خلاصة اندماج العراق وسوريا الطبيعية ". وقد اختتم المؤتمر اعماله بعد أن تم توزيع المشاركين على خمسة لجان متنوعة في مواضيعها وانهت حواراتها بقرارات وتوصيات في مجالات بحثها.

وبدوره قدم الحزب السوري القومي الاجتماعي مشروعه حول رؤية الحزب في إنشاء مجلس التعاون المشرقي، وقد التقى وفد من الحزب رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي ورئيس المجلس الأعلى الإسلامي السيد عمار الحكيم وغيرهم من القادة العراقيين ، كما سلم وفدٌ منه السفير الفلسطيني في لبنان أشرف دبور مذكرة المجلس، وفي 3 تموز 2013 عقد الحزب برأسة النائب أسعد حردان مؤتمرا صحفيا اعلن خلاله عن المذكرة التي سلمها إلى قادة دول المشرق العربي، وقال النائب حردان ان اختيار الحزب لاطلاق مشروعا مشرقيا هدفه هو تامين مصالح الشعب العليا ويصلب مواجهة المشروع لتفتيت المنطقة.
في البعد الاقتصادي للفكر المشرقي دعا رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية المهندس فارس الشهابي إلى مشروع الهلال الاقتصادي والذي يشمل سوريا والعراق وايران، وأشار الشهابي إلى ضرورة توحيد القوانين الاستثمارية بين البلدان الثلاثة وأن يكون للاستثمار ميزانية استثنائية في الهلال الاقتصادي الذي يمكن ان يتسع ليشمل دول مثل لبنان وصولا إلى تكامله مع دول روسيا الاتحادية وغيرها. ويشير المهندس شهابي ان الهلال الاقتصادي مرتبط جغرافيا ومصيريا وهو لن يلغي اتفاقية السوق العربية بل سيولد نظاما اقتصاديا متكاملا اكثر عبر التكامل بين الاسواق المشرقية.
Saadeh Facebook  Saadeh Twitter Saadeh Email