ليس من إجماع بين المؤرّخين والباحثين على تحديد نهائيّ لتاريخ بداية ونهاية وإنجازات وخصوصيّات عصر النهضة في العالَم العربيّ.
  ويذهب "جان داية" مثلاً، إلى "التمييز بين عصر النهضة في بلاد الشام وعصر النهضة في مصر انطلاقاً من وجود بضعة عصور نهضة في العالم العربيّ، حيث يتميّز كلّ واحد منها بخصوصيّة، بدءاً بتاريخ ولادته، ومروراً بالمعضلات الّتي عالجها، وانتهاءً بالمنهج الذي اتّبعه الروّادّ". أمّا "عصر النّهضة في بلاد الشّام فقد ولد في العام 1846 بولادة باكورة الجمعيّات الثقافيّة في عموم العالم العربيّ، والّتي أطلق عليها مؤسّسوها ومنهم المعلّم بطرس البستاني والشيخ ناصيف اليازجي والمستشرق كورنيليوس فانديك اسم "مجمع التّهذيب". على أنّ عصر النّهضة في مصر (إن أردنا تبنّي رأي جان داية) سبق عصر النّهضة في بلاد الشام، وهو يرجع إلى المدّة الممتدّة ما بين عامَي 1826 و 1831، تلك المدّة الّتي قضاها "رفاعة الطّهطاوي" في باريس على رأس البعثة الأولى الّتي أرسلها محمّد علي للدراسة هناك، وعاد بعدها مطالعاً كتباً في التاريخ القديم والفلسفة الإغريقيّة والميثولوجيا والجغرافيا والرياضيّات والمنطق، وقارئاً سيرة نابوليون وأفكاره و إنجازاته، ومطّلعاً على مؤلّفات أهمّ المفكّرين الفرنسيّين كـ راسين وفولتير وكوندياك وروسّو ومونتسكيو...
  ولكنّنا نرى أنّ كلّ من عمل وبحث في هذا الموضوع، لا يختلف مع غيره من النقّاد حول أنّ بدايات القرن التاسع عشر، هي بداية بزوغ فجر النّهضة العربيّة الحديثة، بشتّى أشكالها الثقافيّة والفكريّة والسياسيّة.

  أمّا النّهضة الّتي نبحث عنها فهي النّهضة الفكريّة، لا النّهضة الأدبيّة أو الفنّيّة أو الشّعريّة، والمشاكل الّتي ستتناولها هي تلك المشاكل الّتي شغلت مفكّري ذلك العصر، حين أخذوا يغوصون في أعماق الحياة المعاصرة، بغية تحديد هويّتهم الثقافيّة والحضاريّة، ومقوّمات المدنيّة المعاصرة، وخصائص الحضارة الغربيّة وصلتها بالحضارة الشرقيّة والعربيّة. وعن هذه المشاكل تفرّعت قضايا العلم الحديث وصلته بالدين، والدولة العصريّة ومقوّماتها، ودور المرأة في تقدّم المجتمع وتخلّفه، وموقف المفكّر من الماضي والمستقبل، أي من التّراث القوميّ والوطنيّ، ومن الأهداف القوميّة الّتي ينبغي أن تنحو نحوها الحياة المعاصرة.

  وأهمّ عوامل النّهضة الفكريّة عند العرب في القرن التسع عشر هي:
1-  الحملة الفرنسيّة على مصر (1798 – 1801)
2-  البعثات العلميّة إلى أوروبا
3-  الإرساليّات التبشيريّة في البلاد العربيّة
4-  الطباعة
5-  الصحافة
6-  الترجمة
7-  الجمعيّات العلميّة
8-  الاستشراق

  أمّا أبرز مفكّري عصر النهضة فهم: الشيخ ناصيف اليازجي (1800 – 1871)، أحمد فارس الشدياق (1801 – 1873)، رفاعة الطهطاوي (1801 – 1873)، علي مبارك (1816 – 1886)، بطرس البستاني (1816 – 1883)، جمال الدين الأفغاني (1839 – 1896)، سليم البستاني (1848 – 1884)، أديب اسحاق (1856 – 1885)، الشيخ حسين الجسر (1845 – 1909)، محمّد رشيد رضا (1865 – 1935)، شبلي الشميّل (1850 – 1917)، ابراهيم اليازجي (1847 – 1906)، فرح أنطون (1874 – 1922)، الإمام محمّد عبده (1849 – 1905)، خليل سعادة (1857 – 1934)، الأمير شكيب أرسلان (1870 – 1946)، عبد الرحمن الكواكبي (1846 – 1902)، سليمان البستاني (1856 – 1925)، قاسم أمين (1865 – 1908)، جرجي زيدان، يعقوب صرّوف، ...
 
  إضافة إلى كثيرين من المستشرقين الذين أسهموا في بزوغ فجر النهضة، أهمّهم:
  الفرنسيّون: بارون دو ساسي Baron de Sacy، اتيان كاترمير E. Quatremire، دي لا غرانج de la grange، جوزف رينو J. reinaud، كاسان دو برسفال Caussin de Perseval، دو تاسي G. de Tassy، غويار Guyard.
  الألمان: إيفالد H. Ewald، روديجر H. Rodiger، فون كريمر Von Kremer، شبرنجر Sprenger.
  الهولنديّان: بول دي يونغ P. de Jong، راينهارت دوزي R Dozy.
  الإنكليزيّان: إدوارد بالمر E. Palmer، وليم رايت  W. Wright...

  أمّا وقد تحدّثنا عن مفهوم النّهضة وبداياتها وعواملها وروّادها، سننتقل للحديث عن مفهوم العلمانيّة.
  العلمانيّة هي التّرجمة العربيّة لكلمة ٍ"Secularie¢"، "Secularism"، في اللغات الأوروبّيّة. و"هي من العِلم فتكون بكسر العين، أو من العالَم فتكون بفتح العين، وهي ترجمة غير دقيقة ولا صحيحة، لأنّ التّرجمة الحقيقيّة للكلمة الإنجليزيّة هي "لا دينيّة أو لا غيبيّة أو الدّنيويّة أو لا مقدّس"، لكنّ المسوّقون الأُوَّل لمبدأ العلمانيّة في بلاد الإسلام علموا أنّهم لو ترجموها الترجمة الحقيقيّة لَما قبلها الناس ولردّوها ونفروا منها". أمّا دائرة المعارف البريطانيّة فتقول في تعريف كلمة "Securalism":
  "هي حركة اجتماعيّة تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها، ذلك أنّه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمّل في الله واليوم الآخر. ومن أجل مقاومة هذه الرغبة طفقت الـ "Securalism" تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانيّة، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يُظهرون تعلّقهم الشديد بالإنجازات الثقافيّة البشريّة، وبإمكانيّة تحقيق طموحاتهم في هذه الحياة القريبة. وظلّ الاتّجاه إلى الـ  "Securalism" يتطوّر باستمرار خلال التاريخ الحديث كلّه باعتبارها حركة مضادّة للدين ومضادّة للمسيحيّة".

  أمّا معنى العلمانيّة الاصطلاحيّ، والتي تبنّاها كثيرون من مفكّري عصر النهضة العربيّة، واعتبروها السبيل الوحيد لتخليص بلادهم من نير الظلمة والتقهقر والانحطاط، فهو فصل السلطة الدينيّة عن السلطة المدنيّة، ومنع رجال من التدخّل في شؤون السياسة، وبالتالي قيام الدولة المدنيّة.
  وفي ما يلي بحث مفصّل عن النّزعة العلمانيّة لدى ثلاثة من كبار المفكّرين في عصر النهضة، شبلي الشميّل، خليل سعادة، وفرح أنطون.

شبلي الشميّل (1850 – 1917)

   وُلِد شبلي الشميّل في قرية كفرشيما إلى الجنوب من بيروت سنة 1850 وتلقّى علومه الجامعيّة في الكلّيّة السوريّة الإنجيليّة (الجامعة الأميركيّة في بيروت اليوم)، فتخرّج من معهد الطبّ فيها سنة 1871، ثمّ سافر إلى باريس للتّخصّص.
  وفد على مصر وهو في الخامسة والعشرين، وأقام فيها ممارساً مهنتَي الطبّ والتأليف، فأسّس مجلّة "الشفاء" سنة 1886، ونشر طائفة كبرى من المقلات العلميّة والفلسفيّة في "مصر الفتاة" و"الفتاة" و"البصير" و"المقتطف" و"المقطّم" وسواها.
  وفي سنة 1884 نشر أهمّ مؤلّفاته العلميّة الموسوم بـ "شرح بخنر على مذهب دارون" الّذي أُعيد طبعه سنة 1910 بعنوان "فلسفة النشوء والارتقاء"، وهو الجزء الأوّل من "مجموعة" مقالاته وأبحاثه المشتملة على جوهر فلسفته العلميّة والاجتماعيّة. وتوفّي في القاهرة سنة 1917.
 
  يتبيّن في ثنايا فلسفة الشميّل العامّة، إضافة إلى تأثّره بنظريّات تشارلز داروين الّتي لا ينكرها، أثر هربرت سبنسر وأوغست كونت في تكوين نظرته الشاملة إلى تطوّر الفكر البشريّ، من جهة، ونشوء المجتمعات وتدرّجها في معارج الرّقيّ من جهة أخرى.
  يمهّد شبلي الشميّل لبسط فلسفته المادّيّة بعرض المراحل الّتي سبقت قيام تلك الفلسفة في العصور الحديثة، والعقبات الّتي كانت تحول، وما زالت، دون تحرّر العقل البشريّ من ريقة المعتقدات والخرافات الدينيّة والخلقيّة والتربويّة.
  ويبدأ بالإشـارة إلى أثر التربيـة الخلقـيّة والدينيّة الشـائعة في تخلّف الشـعوب، في كِلا الشـرق والغرب. فهـذه التربيـة تلقّن الطلاّب المبـادئ والتقاليـد المتوارثة دون تمحيص، فتفضي إلى خنق روح النّقـد والاسـتقلال في الحكـم، وتبعـده كلّ البعد عن التفكير العلميّ،
"فيزول الإنسـان الطبيعيّ بالكلّّيّة، ولا يبقى إلاّ الإنسان المصنوع على خلاف الطبيعة".

  وكان العلم عنده يعني النظام الميتافيزيقي الّذي بناه هكسلي وسبنسر في إنكلترا، وهاكل وبوخنر في ألمانيا على فرضيّات دارون الحذرة ]...[ وكان أساس ذلك فكرة وحدة الكائنات.فجميع الأشياء تتكوّن من المادّة بحركة عفويّة وُجدَت منذ الأزل وستبقى إلى الأبد. وبالأشكال المتكوّنة، أي المعادن والنبات والحيوان والإنسان، تكون في كلّ مرحلة أكثر تميّزاً بعضها عن بعض، وأكثر تعقّداً منها في المرحلة السابقة. وكلّ مرحلة تنبثق عن المرحلة الّتي سبقتها بدون انفصال، بحيث ما يبدأ نوراً يصبح حركة ثمّ جاذبيّة ثمّ رغبة ثمّ حبّاً.
  والإنسان هو قمّة هذا التّطوّر والكائن الأوّل القادر على السيطرة عليه والمساهمة فيه عن وعي، وذلك بتغيير ظروفه الخارجيّة وبالاستعاضة عن النّزاع بالتعاون والإكراه بالتنظيم الإداريّ، والرغبة الأنانيّة في سعادته الخاصّة بالسعي وراء سعادة الجميع.
  ويأخذ الشميّل على التربية الدينيّة فصلها الإنسان عن هذا العالم، حتّى لا يعود يأبه به، وعلى التربية الأدبيّة تصويرها للإنسان كما تتخيّله هي وأصحابها، لا كما هو على حقيقته، فتزيده ضعفاً على ضعف، وتغرس فيه روح التكلّف والرياء. ويحذّر من الانخداع بما يظهر من انطباق بعض المبادئ والتشاريع الدينيّة على العقل والعدل، فالعبرة في التطبيق لا في التجريد، إضافة إلى أنّ السلطة الروحيّة قد تذرّع بها حماتها للسيطرة على عقول الشعب وعواطفه، حتّى استسلم إلى القضاء والقدر، وقنع بحاله من التخلّف والفقر، بينما تذرّع الملوك والرؤساء المدنيّون بالشرائع الاتوقراطيّة والاستبداديّة لاستعباد الشعب وإذلاله وسلبه حرّيّاته وحقوقه.

  بنى شبلي الشميّل فلسفته الكونيّة كما رأينا، على نظريّات داروين وسبنسر وكونت...، وانطلق منها للخوض في مسألة الدين وصلته بالتطوّر الاجتماعيّ والعلميّ، فحمل على الدين وشرائعه من جهتَين:

· الأولى أنّه ذريعة يتذرّع بها الرؤساء والزعماء للسيطرة على ذوي العقول الساذجة.
· والثانية أنّ المعتقدات الدينيّة المناقضة للعلم، عقبة في سبيل التقدّم البشريّ. ناهيك بأنّها أساس التعصّب والتباغض والتناحر بين الأمم.
  "ولذلك كان انتقال الإنسان بشرائعه ونظاماته في التاريخ مصحوباً دائماً بثورات تجري الدماء فيها أنهاراً وكثيراً ما ترجع بالاجتماع القهقرى أو تقف به عصوراً متطاولة".
  وبأنّ تلك المعتقدات هي تقييد لحرّيّة الفكر واستحواذ للخوف والرعب على أصحابها، وتعلّقهم بالأوهام والخرافات، وكلّ ذلك مناقض لمبادئ العلم.

  وينطلق للحديث عن وجوب الفصل بين الدين والاجتماع في سبيل تقدّم ورقيّ الشعوب، ويضرب مثلاً أوروبا الّتي لم تصبح قويّة ومتمدّنة، فعلاً، إلاّ عندما حطّم الإصلاح (إصلاح لوثر) والثورة الفرنسيّة سلطة الإكليروس على المجتمع. ويقول إنّ هذا يصحّ أيضاً على المجتمعات الإسلاميّة، إذ إنّ ما أضعف الأمّة ليس الإسلام أو القرآن، بل سلطة رجال الدين.
  فرجال الدين وأنصارهم من الحكّام، في الأمم الإسلاميّة خاصّةً، كانوا ومازالوا يسخّرون الأديان لمآربهم الخاصّة، وهي استعباد الشعوب والاستطالة عليها والحؤول بينها وبين التقدّم. أمّا القوانين الّتي يجب أن تتحكّم بتطوّر المجتمعات البشريّة، فتبدأ بإبراز واستيعاب الترابط ما بين الفرد والمجتمع الناجم عن وحدة القوانين الّتي تفعل فيهما، قوانين علم الحياة وقوانين علم الطبيعيّات. ويتحدّث عن الترابط بين علوم الاجتماع والحياة والطبيعة، حتّى أنّه يقول بأنّها علم واحد. وعلّة ذلك أنّ التكافؤ بين الكائن الحيّ والمجتمع يكاد يكون تامّاً. فكلٌّ منهما مركّب من أعضاء، ولكلٍّ من هذه الأعضاء عمل خاصّ ملازم لأعمال سائر الأعضاء الأخرى ومفتقر إليها. فالقلب مثلاً، يعمل غير ما يعمله الدّماغ أو المعدة، إلاّ أنّه يفتقر إليهما، ويرتبط بهما. وكذلك الزارع يعمل في المجتمع غير ما يعمله الصانع أو الحاكم، إلاّ أنّه يتّصل بهما، ويفتقر إليهما. ويستشهد هنا بقول هربرت سبنسر إنّ القوى الكبرى في الكائن الحيّ مقابلة للقوى الكبرى في المجتمع:

-  فالصناعة تقابل القوّة الغاذيّة الّتي من شأنها أن تهيِّئ الغذاء.
-  والحكومة تقابل المدبّرة ومن شأنها تحصيل الغذاء.
-  والتجارة تقابل الموزّعة ومن شأنها توزيع الغذاء على باقي أعضاء الجسم.
  ويقول الشميّل إنّ الجسد يكون صالحاً للبقاء عندما تعمل أجزاؤه بتعاون، هكذا يقوم المجتمع على أحسن وجه عندما تعمل أجزاؤه معاً في سبيل خير الجميع، فـ"التّعاون ناموس المجتمع الأعلى".
  وعن هذا ينتج أنّ القوانين والمؤسّسات ما هي سوى تدابير في حقل الحياة الاجتماعيّة، تقاس قيمتها  بمقدار ما تخدم الخير العامّ، على أنّه لا يمكن الاتّفاق على ما هو الخير العامّ إذا لم تتوافر الحرّيّة، وبالأخصّ حرّيّة الفكر، وكذلك لا تقوم إرادة عامّة بدون وحدة اجتماعيّة تقوم عليها، ممّا يقضي فصل الدين عن الحياة السياسيّة.
  والسّنّة الّتي تتحكّم بالمجتمعات عنده، وهي كائنات حيّة، يتجاذبها قانونان مكمّل أحدهما للآخر: الأوّل قانون حفظ الذات الخاضع لسنّة تنازع البقاء. والثاني قانون التفاعل مع الكائنات الأخرى الخاضع لسنّة الانتخاب الطبيعيّ.
   ويستنبط من ذلك النتائج السياسيّة التالية:
أوّلاً: على الحاكم أن يعتني بسائر فئات المجتمع كما يعتني الطبيب بسائر أعضاء الجسم إذا أراد شفاء المريض.

ثانياً: إنّ الإصلاح يجب أن يجري على المجرى الطبيعيّ، أي أن ينبثق عن الإرادة العامّة انبثاقاً طبيعيّاً، لأنّ المجتمع، وهو كائن حيّ، لا يستطيع تحمّل التغييرات العنيفة، أي الهزّات. فوجب الإصلاح على التراضي، إمّا بين الأكثريّة أو بين سائر أفراد المجموع، وإلاّ لم يكن إصلاحاً طبيعيّاً بل قسريّاً، من شأنه أن يضرّ بالمجتمع.

ثالثاً: إنّ تطوّر المجتمعات يخضع لسنّة النشوء والارتقاء التدريجيَّين، القاضية بضرورة التدرّج في الانتقال من حال إلى حال، ولأنّ قانون "فسيولوجيا الاجتماع" العظيم، يفضّل النشوء التدريجيّ المنبثق عن التراضي على الثورة. إلاّ انّ الثورة يجب أن تكون "صادرة عن صوت الشعوب، وعندها تكون ثورة لا تُقاوَم".
   ويمضي في المقارنة بين الكائن الحيّ  وبين المجتمع، مستنبطاً في ذلك أحكاماً سياسيّة أخرى،
ففي المجتمع، كما في الكائن الحيّ، ثلاثة أنواع من الأفعال: 
أ‌-  ما كان من اختصاص الفرد أو الجزء.
ب‌-  ما كان من اختصاص مراكز (أو أجهزة) ثانويّة.
ج‌-  ما كان من اختصاص المجموع.
  وفي حديثه المباشر عن الدولة، اعتبر الشميّل أنّ الحكومة نائبة عن المجتمع في حاجاته النفعيّة والحبيّة، فلم يكن عليها والحالة هذه أن تؤدّي دوراً آخر سوى "التعديل" بين مصالح الأفراد المختلفة. ولكنّها ينبغي ألاّ تكتفي بدور قاضٍ بسيط يقضي في مصالح الأمّة لتعديلها، مقتصرة على الحاضر القريب، بل يلزمها أن ترتفع فوق نفسها وفوق مصلحة البعض، للنظر في المستقبل البعيد. أي على الدولة أن تؤدّي دوراً إيجابيّاً في تنظيم شؤون المجتمع، وتأمين بعض الحاجات الأساسيّة، كالتعليم الإلزاميّ، والدفاع عن سلامة الأمّة، والدفع بها قدُماً في معارج التّقدّم. ومنزلة الحكّام عنده كمنزلة الدّماغ من سائر الأعضاء. والدماغ بحكم الخبرات التي تجتمع لديه عن طريق الحسّ، لا بدّ أن يقوم بدور إيجابيّ في توجيه الكائن الحيّ توجيهاً فعليّاً. فإذا اعتبرنا الحكومة بمثابة الدماغ في المجتمع، كان لا بدّ لها أيضاً من القيام بمثل هذا الدّور.

  لكنّ الشميّل لم يكن يحاول الاستعاضة عن التضـامن الدينيّ بالتضامن القوميّ، كما فعل الكثيرون من الكتّاب من معاصريه، بل راح أيضـاً يعلن أنّ لجميع أنواع التضـامن الجزئيّ خطر التضامن الدينيّ، لأنّها تجزِّئ المجتمع البشـريّ. فالتّعصّب القوميّ الأعمـى لا يقلّ شرّاً عن التعصّب الدينيّ الأعمى. لذلك كان لا بدّ أن تحلّ، عاجلاً أم آجلاً، الوطنيّة العالميّة محلّ الولاء للوطن المحدود.
  نستنتج من خلال ما تقدّم، أنّ شبلي الشميّل كان يؤمن بالعقيدة الاشتراكيّة، وقد تحدّث عن الاشتراكيّة في مقالتَين نُشِرتا في "المؤيّد" و"المقطّم" سنة 1908، واعتبرها نتيجة لتطوّر المجتمع البشريّ.
  فالاشتراكيّة، كما يقول، ليست مذهباً من المذاهب السياسيّة، بل نتيجة لازمة لتطوّر هذا المجتمع... وهو يعلّل ظهورها بالرّجوع إلى المبدأَين الأصليَّين اللذَين يتحكّمان بالطبيعة والعمران على السواء، وهما التنازع المفضي إلى تكافؤ القِوى، والتكافؤ المفضي إلى التعاون، وآفة الإنسان أنّه شديد التنازع قليل التكافل. إلاّ أنّه كان واثقاً من أنّ انتشار العلم وانتشار الاشتراكيّة، وهما صنوان لا ينفصلان، آتٍ لا محالة، وبوسع الإنسان إذا تذرّع بالعقل والاختيار، تعجيل خُطا الاشتراكيّة، فتحلّ محلّ الأنظمة القديمة المخالفة للطبيعة، بعد أن تكون البشريّة قد مرّت بما لا بدّ منه من اضطرابات وثورات وقلاقل، ما هي إلاّ جزء من "نفض الغبار القديم".

  ونهايةً ننشد مع شاعر النيل حافظ ابراهيم بعض الأبيات من قصيدته التي ألقاها في حفل رثاء الدكتور شبلي الشميّل في التاسع من فبراير 1917:
"يقرع النجمَ سـائلاً ثمّ يرتـ  ـدُّ إلى الأرضِ باحثاً عن صوابِ"
"فاسـتَرِحْ  أيّها المجاهِدُ واهدَأْ  قد بلغـتَ المـرادَ تحـتَ التّرابِ
هل أتاكَ اليقينُ من طرُقِ الشـ  ـكِّ فشكُّ الحكيم بدء الصوابِ".
 
 
*  *  *  *  *





خليل سعادة (1857 – 1934)

  ولد خليل سعادة في الشوير، في منطقة المتن في جبل لبنان، عام 1857 وتلقّى علومه الأولى في المدرسة الأميركيّة هناك. ثمّ التحق سنة 1878 بالكلّيّة السوريّة الإنجيليّة في بيروت وانتسب إلى معهد الطبّ التابع للكلّيّة. ونبغ في هذا العلم، حتّى أنّه كان يُختار لإلقاء محاضرات فيه على الطلبة وهو بعد طالب. وقد كشفت سنوات الدراسة الجامعيّة عن اتجاهاته الوطنيّة ومواقفه السياسيّة المميّزة.
  نشر عدداً من المقالات الأدبيّة (وهو ما يزال طالباً) في مجلّتَي "الجنان" و"الطبيب". وعرف تطوّراً فكريّاً خطيراً في فترة الدراسة الجامعيّة، فقد أثّر الوسط الأكاديميّ تأثيراً عميقاً في إعداده الفكريّ والنفسيّ، وكانت الكلّيّة يومذاك مسرحاً لحوار عنيف يتعلّق بنظريّة التطوّر لداروين، الّتي شرحها (كما سبق وعرفنا) د. شبلي الشميّل في رسالة تخرّجه عام 1871، والّتي أشار إليها الدكتور "إدوين لويس" في خطاب ألقاه في طلبة الكلّيّة في حفل توزيع الشهادات في تموز سنة 1882. لقد درس الطبّ إذاً في هذا المناخ التطوّريّ وتبنّى النظريّة الجديدة. ويظهر اتّجاهه التّطوّريّ الجديد باكراً في مقدّمة قاموسه (الإنكليزيّ – العربيّ) الّذي نشره في القاهرة سنة 1911، والّتي عالج فيها مسألة اللغة، نشوءاً وتطوّراً من وجهة نظر تطوّريّة.
  شارك سعادة بالانتفاضة الطالبيّة سنة 1882 الّتي احتجّ فيها طلاّب الطبّ والصيدلة في الكلّيّة السوريّة الإنجيليّة على استبدال العربيّة بالإنكليزيّة كلغة وحيدة للتدريس، تلك الانتفاضة الّتي ذكرها جرجي زيدان في مذكّراته بأنّها حركة "تستحقّ الاهتمام والدراسة لأنّها بداية نهضة جديدة في الشرق العربيّ لم يعرف مثيلاً لها من قبل. وفي العاشر من نيسان 1934 توفّي الدكتور خليل سعادة في سان باولو عن عمر يناهز السابعة والسبعين.
  أهمّ مؤلّفاته:
-  الطوالع السعديّة في آداب اللغة الإنكليزيّة (القاهرة 1886)
-  الأمير السوريّ (1892) رواية بالإنكليزيّة نقلها عادل أيّوب إلى العربيّة ونُشرت سنة 1981
-  قيصر وكليوبترا (لندن 1898) رواية بالإنكليزيّة نقلها بنفسه إلى العربيّة ونشرها في سان باولو سنة 1925
-  أسباب الثورة الروسيّة (مصر 1906)
-  إنجيل برنابا (ترجمة) (مصر 1908)
-  قاموس سعادة (القاهرة 1911)
  وله ثلاث روايات تعتبر في حكم المفقودة: أنطونيوس وكليوبترا، أسرار الباستيل، والشركسيّة الحسناء. كما وكتب في مجلاّت وجرائد عدّة منها "المجلّة"، و"الجريدة"، و"الطبيب"، و"الجنان"، و"الرابطة"، و"الأهرام"، وغيرها...
 
  أمّا أفكاره الأساسيّة الّتي تمحورت حولها كتاباته المختلفة وعبّرت عن مواقفه من مشكلات الوطن وقضايا العصر، فقد ارتبطت بظواهر ثلاث ميّزت تلك المرحلة التاريخيّة من حياة الشرق إبّان الحكم العثمانيّ وفترة الانتداب الفرنسيّ – البريطانيّ على المنطقة، عنيت بذلك ظاهرة الاستبداد ومطلب الحرّيّة والاستقلال من جهة، وظاهرة التعصّب الدينيّ والدعوة إلى الفصل ما بين الدين والدولة من جهة ثانية، وظاهرة التخلّف الاقتصاديّ واللامساواة والتمايز الاجتماعيّ والحاجة إلى نظام اجتماعيّ جديد، يؤمّن التقدّم والعدالة والمساواة للجميع من جهة ثالثة.
  أمّا ما يهمّنا في دراستنا هذه فهو رأي خليل سعادة بظاهرة التعصّب الدينيّ ودعوته إلى فصل السلطة الدينيّة عن السلطة المدنيّة.
  لم يُعنَ سعادة بالبحث عن مصدر الدين وطبيعته وغايته، بل نظر إليه بوصفه ظاهرة اجتماعيّة لها عواملها وقوانينها، وبالتالي مفاعيلها في المجتمع. وقد تناول الدين في مقاله الأوّل في "الجنان" سنة 1879، مصنّفاً إيّاه بين مجموعة العناصر الآيلة إلى "الانشقاقات الداخليّة" والّتي تؤدّي، في حال استمرارها، إلى خراب البلاد وتأخّرها. وتطرّق إلى تداعيات امتداد الدين في الدولة والمجتمع، كمسألة التعصّب الدينيّ، وحرّيّة الاعتقاد، ومبدأ الفصل بين السـلطة الدينيّة والسـلطة المدنيّة. فقد اعتبر أنّ التعصّب الدينيّ مرض اجتماعيّ خبيث "أكل قلب الشرق، وهرأ بنيته وأفسد أنسجته، وسمّم دمه، وصرعه كما تصرع الميكروبات السامّة جبّاراً عظيماً".
  شبّه خليل سعادة التعصّب الدينيّ بمرض الـ"تتنوس" الّذي يصيب الجسم عن طريق خدش بسيط، ووصف أعراضه بالتشنّجات الّتي ما إن تهجع لفترة حتّى تعود إلى الظهور مرّة أخرى، ولا تزال كذلك، بين ثورات وهجوع، حتّى تنهك قوى العليل ويموت بالإعياء. وتساءل عن الأسباب التي أدّت بالشرق إلى الاستمرار في جموده وتعصّبه الدينيّ قائلاً "لِمَ تأصّل فيه هذا المرض الّذي نهش لحمه، ونخر عظمه، وأعمى بصيرته، وأضلّ خطراته، وطوّق عنقه بطوق من فولاذ، وطوّق رجليه بسلاسل من حديد، ووضع شكيمة في أنفه ولجاماً في فيه، وقاده صاغراً ذليلاً لا يبصر بعينيه إلاّ التعصّب الدينيّ، ولا يسمع بأذنيه إلاّ التعصّب الدينيّ، ولا يلمس بيديه إلاّ التعصّب الدينيّ". ويخلص إلى القول إنّ التعصّب الدينيّ هو أشدّ أمراض الشرق فتكاً في النّفوس.
  بعدها بحث سعادة عن أصل التعصّب الدينيّ وأشكاله عند الشعوب، فوجد أنّه يرجع إلى أعصر قديمة ويكمن في التصارع قديماً ما بين الآلِهة الوثنيّة، آلهة كلّ شعب وكلّ مدينة وكلّ فئة اجتماعيّة، لذلك وجد أنّ حياة الشرق "سلسلة متّصلة من الأعمال الدينيّة". وذهب في وصفه للتعصّب إلى قوله إنّه مرض من أمراض الأخلاق ينتقل بالوراثة كما تنتقل الأمراض الطبيعيّة. فكما يولد ابن السكّير ميّالاً إلى السكر، كذلك يولد ابن المتعصّب ميّالاً إلى التعصّب. وهو إذ ينتقد موقف المتعلّمين من التعصّب، يشير إلى أنّ الأمّيّين أقلّ تعصّباً منهم وأكثر رحمة لأنّ تعصّب هؤلاء، إذا كان موجوداً، تعصّب موروث، أمّا تعصّب أولئك فهو تعصّب مدروس، وفيه يكمن الخطر على المجتمع.

  ويميّز سعادة بين التديّن والتعصّب، فهو لا يربط بينهما، ولا يعتبرهما شيئاً واحداً. فالتديّن في نظره هو حالة المؤمن الّذي يمارس إيمانه دون أن يتعارض في إيمانه مع معتقدات الآخرين الّذين لا يؤمنون إيمانه. أمّا إذا وقع تعارض بينه وبين مؤمن آخر، فعندها يتحوّل إيمانه إلى تعصّب. وعليه، إنّ الحدّ الفاصل بين التديّن والتعصّب هو الحدّ الفاصل بين حرّيّتين على وشك الاصطدام. وطرح سؤالاً هل يمكن شفاء المتعصّب دينيّاً؟ وهل يمكن القضاء على التعصّب الدينيّ؟
  ويجيب سعادة عن السؤال الّذي طرحه بأنّ المسألة تتطلّب علاجاً حدّد له ثلاثة شروط أساسيّة، هي الشروط عينها الضروريّة لشفاء أيّ مريض:
·  أن يشعر المصاب بأنّه مريض.
·  أن يكون راغباً في الشفاء.
·  أن يستعمل العلاجات الّتي يأمر بها الطبيب.
  ويختم بأنّنا يجب أن نقيم التعصّب القوميّ مقام التعصّب الدينيّ، وبأنّه على المسيحيّ والمسلم والدرزيّ أن يشعر بأنّ له تعصّباً وطنيّاً حميداً يصرفه عن التعصّب الدينيّ الذميم.

  بعد عرضنا للتعصّب الدينيّ ومفاعيله المدمّرة للهيئة الاجتماعيّة، انطلاقاً من وجهة نظر خليل سعادة، ننتقل إلى نظرته عن الدين والدولة. هل الدّين ضروريّ للدولة أم لا؟ وبالتالي تدخّل رجال الدين في السياسة، هل هو مقبول أم مرفوض؟
  للإجابة عن السؤال الأوّل، يعرض سعادة في مقال بعنوان "الوطن والدين والسياسة"، إلى أنّ الدين كان ضروريّاً للدولة في العصور الغابرة، وخصوصاً لدى الأمم المدعوّة "وثنيّة" الّتي هي مزرج غريب من الوطنيّة والدين والسياسة، وضرب أمثلة على هذه الحالة من تواريخ مصر وسوريا واليونان... أمّا في حديثه عن سلطة رجال الدين، فيقول إنّه بعد انتشار المسيحيّة ورسوخها بين الشعوب الّتي تبنّتها، حدث تطوّر خطير على صعيد التداخل بين الدين والسياسة، إذ انتقلت الزعامة السياسيّة إلى رجال الدين، ومارست الكنيسة عموماً والإكليروس خصوصاً، استبداداً على العباد والممتلكات لا يقلّ عن استبداد الملوك والأمراء. وفي حديثه عن فشل التداخل بين الدين والدولة، يعطي مثالاً الثورة الفرنسيّة الّتي جاءت بعد وصول الفوضى الدينيّة السياسيّة أوجها، فوضعت لها حدّاً وحرّرت الشعب الفرنسيّ من عبوديّة الملوك ومن عبوديّة الإكليروس، فـ"بعد أن كانت تسمّى فرنسا ابنة الكنيسة البكر، أصبحت أبعد بناتها عنها، وكما حرّرت الثورة الشعوب من عبوديّة الملوك حرّرتهم كذلك من عبوديّة الإكليروس.]...[ وسجّلت ثورتها الكبرى قانوناً عامّاً وهو أن لا دخل للدين في السياسة."
  على أنّ سعادة لم يطلب التبشير بمبدأ الفصل بين الدين والدولة لمجرّد التبشير بمنجزات الأمم الأخرى في هذا المضمار، بل دعا إلى تطبيق هذا الفصل في بلاده، وفي بلاد الشرق عموماً.
  أمّا مبرّرات دعوته إلى العلمانيّة فتتلخّص بما يلي:
1-  اختلاف الأغراض بين الدين والدولة: فالأديان، في نظره، تعلّم الإنسان تعلّم الناس عبادة الله وممارسة الشعائر الدينيّة والعمل بموجب تعاليم الكتب المقدّسة، في حين أنّ الدولة تهتمّ بالتأمين على الحرّيّات الفرديّة والعامّة...
2-  حدود الدين وحدود الدولة: يهتمّ الدين أكثر ما يهتمّ بأمور ما وراء المادّة، وهي أمور متغيّرة. في حين تهتمّ الدولة بشؤون العلم المتغيّر.
3-  استحالة الوحدة الدينيّة: إذا كانت الوحدة السياسيّة مطلباً لكلّ شعب ينشد الاستقلال والسيادة، فإنّ الدين عامل تفرقة. وإذا كان الدين كذلك، فما الحاجة إليه في هذا المجال؟
4-  عوامل التطوّر: وهنا يقتدي سعادة بالأنموذج الأوّل للتجربة الغربيّة في مجال فصل الدين عن الدولة، وهو الثورة الفرنسيّة ومنجزاتها. فاكتشف الفرق الكبير في أحوال الأمم ما بين فترة القرون الوسطى حيث ساد التداخل ما بين الدين والسياسة، وفترة العصور الحديثة حيث استقلّت الدولة عن الدين. إذ كان التداخل عامل ضعف واقتتال في الداخل.
5-  الرغبة في المساواة: هذه الدعوة إلى الفصل ما بين الدين والدولة ترجع إلى رغبة عارمة عنده في تطبيق المساواة التامّة بين أفراد الأمّة الواحدة، وبناء مجتمع جديد يرتكز على قواعد العدل والمساواة وتكافؤ الفرص.
  ويخلص سعادة إلى تحديد مفهوم العلمانيّة، فيعتبر أنّها الفصل التامّ بين الدين والسياسة، فعالم الدين هو عالم ما وراء المادّة، أمّا عالم السياسة والدولة فهو المجتمع الإنسانيّ وما يتّصل به من قضايا وتحدّيات. ويتناول الفصل ما بين الدين والدولة: القضاء والحكومة والتشريع والعمل والانتخابات والاقتصاد. إنّه فصل كامل على المستويات السياسيّة والاجتماعيّة كافّة.
  وحددّ سعادة مفهوم الأمّة، فأسقط الدين أو العرق أو اللغة من العناصر المكوّنة للأمّة، واعتمد وحدة المصالح أساساً لنشوء الأمّة وقاعدة لوحدة الحياة القوميّة. وانتقد الرابطة الدينيّة الّتي تقوم بخلاف الرابطة الوطنيّة على أساس الأكثريّة و الأقلّيّة الدينيّة، فتستحيل معها المساواة بين أبناء الأمّة الواحدة، وخصوصاً في الأمّة المتعدّدة الطوائف والمذاهب، لأنّ الدولة، في هذه الحال، تكون دولة الأكثريّة الدينيّة المسيطرة، لا دولة المواطنين المتساوين أمام القانون، في الحقوق والواجبات.

  وفي النهاية يمكن تحديد السمات الرئيسيّة للعلمانيّة الّتي تصوّرها خليل سعادة كما يلي:
·  التعصّب يؤدّي إلى الانقسام الاجتماعيّ.
·  التسامح سبيل التضامن والوحدة.
·  تأمين حرّيّة الاعتقاد الدينيّ.
·  رفض تدخّل الدين في شؤون الدولة.
·  تعيين الرجال الأكفّاء للوظائف الأساسيّة في الدولة بصرف النظر عن انتماءاتهم الطائفيّة.
باختصار، العلمانيّة في نظره هي طريق التقدّم والتطوّر.
 
  وأخيراً، ننشد أيضاً مع الشاعر القرويّ، بعضاً من أبيات قصيدته الّتي ألقاها في ختام الحفلة التأبينيّة التي أقامتها الرابطة الوطنيّة السوريّة لرئيسها الشرفيّ الدكتور خليل سعادة:
"أراكَ لدى سرير الحـقِّ  حُرًّا  جريئـاً  دار بينكـما عتابُ"
"يقول لك استرِحْ فتُجيبُ أنّى  ولي  وطـنٌ يحيق به العذابُ"
"أعِدني للحمى وأعِدْ يراعـي  فقد  حنّت لزأرته  الشـبابُ
أنا السـيف المجـرّد من قرابي  أتهملـني  إذا بلـي القرابُ"
"ألا  قُلْ  للّذين طغـوا رويداً  فللأيّـام والدول  انقـلابُ"
 
*  *  *  *  *
فرح أنطون (1874 – 1922)

  ولد فرح أنطون في طرابلس سنة 1974 وتخرّج من مدرسة كفتين بالكورة، ثمّ وفد إلى مصر سنة 1897 فاشتغل بالصحافة والتأليف. أنشأ مجلّة "الجامعة" في الاسكندريّة سنة 1899، وواصل تحريرها طيلة سبع سنوات، وفي سنة 1906 رحل إلى الولايات المتّحدة، لكنّ إقامته فيها لم تطل، فعاد إلى مصر ليتابع نشاطه الأدبيّ والصحفيّ. وتوفّي سنة 1922.
  وضع وترجم عدداً من المؤلّفات الفكريّة والأدبيّة والتاريخيّة، نذكر منها:
-  أورشليم الجديدة (أو فتح العرب بيت المقدس)
-  العلم والدين والمال، المدن الثلاث
-  أوديب الملك
-  مصر الجديدة
-  حياة المسيح (لـ رينان)
-  المرأة في القرن العشرين (لـ جول سيمون)
-  ابن رشد وفلسفته (أهمّ مؤلّفاته الفكريّة والفلسفيّة. أُلحقت به ردود الإمام محمّد عبده على بعض أقواله الفلسفيّة، وردوده هو عليها).

1- ابن رشد وفلسفته
  هذا الكتاب هو دراسة طويلة عن حياة ابن رشد وفلسفته، نشرها فرح أنطون في مجلّته "الجامعة"، وكانت مصدر الخلاف بينه وبين الإمام محمّد عبده، وأدّت إلى المناظرة الشهيرة بينهما.
  لقد تأثّر في كتابه عن ابن رشد بـ"رينان" ونهج منهجه، حتّى أنّ البعض يذهبون أكثر من ذلك، فيقولون إنّه "قدّم عرضاً منهجيّاً لأفكار رينان".
  ويشرح السبب الّذي من أجله يكتب عن ابن رشد، فيقول إنّما هو "تقريب الأبعاد بين عناصر الشرق وغسل القلوب وجمع الكلمة، ]...[ ونحن نعتقد أنّ هذا التقريب لا يتمّ بأن يبرهن الفريق الواحد للفريق الثاني أنّ دينه أفضل من دينه فإنّ هذا الأمر قد مضى زمانه. ]...[ وإنّما التقريب الممكن في هذا الزمان زمان العلم والفلسفة قائم بأن يحترم كلّ فريق رأي غيره ومعتقده. ]...[ وغرضنا من هذا الكتاب كسر الحدّة والتعصّب، التي عليها يتوقّف نهوض الشرق وارتقاء عناصره المختلفة".
  يتحدّث فرح أنطون عن التساهل (التسامح)، ويعني هذا الاصطلاح عنده أنّ الإنسان يجب ألاّ يدين أخاه الإنسان، لأنّ الدين عبارة عن علاقة خاصّة بين الخالق والمخلوق، فلم يكن من شأن المخلوق أن يدين أخاه الإنسان بل على ذلك المخلوق أن يتشبّه بخالقه الّذي يطلع شمسه على الصالحين والأشرار معاً. ولمّا كانت الرابطة الجوهريّة بين أبناء البشر جميعاً هي الإنسانيّة، فلا يحقّ لامرئٍ أن يتدخّل في شؤون أيّ منهم أو يضطهدهم لمعتقداتهم الدينيّة. فأساس التساهل إذاً، هو أوّل أسس العلمانيّة عنده.
  ومن مبدأ التساهل هذا، ينطلق فرح أنطون إلى الدعوة إلى الفصل بين السلطتين المدنيّة والدينيّة، معتمداً على التمييز بين مدار العلم وبين مدار الدين، أي بين الشؤون الدنيويّة التي هي من اختصاص العقل والعلم دون سواهما، والشؤون الروحيّة الّتي تقتصر على علاقات المخلوق بالخالق، فكانت من اختصاص القلب والدين دون سواهما. وما يتوصّل إليه الواحد لا يمكن للآخر دحضه، لذلك يجب أن يحترم الواحد الآخر، وأن لا يتجاوز الواحد حدود الآخر.
  أمّا دعوته إلى الفصل بين السلطة المدنيّة (الزمنيّة) والسلطة الدينيّة (الروحيّة)، والّتي هي الأساس الثاني للعلمانيّة لديه، فيعيدها فرح أنطون إلى خمسة أسباب:

  السبب الأوّل، الّذي يلزم الفصل بين السلطتين المدنيّة والدينيّة، هو أنّ غرض السلطة الدينيّة  يختلف كلّ الاختلاف عن السلطة المدنيّة، فغرض الأولى حثّ البشر على عبادة الله وعلى الفضـيلة

والبرّ، أمّا غرض الثانية فهو حفظ الأمن، أي صيانة حرّيّة الفرد ضمن حدود الدستور، الّذي لا يجيز الاعتداء على هذه الحرّيّة إلاّ بمقدار ما تقضي به مصلحة المجموع.
  السبب الثاني يردّه فرح أنطون إلى الرغبة في المساواة المطلقة بين أبناء الأمّة، بغضّ النظر عن معتقداتهم الدينيّة، الّتي تقضي بالفصل بين السلطتين المدنيّة والدينيّة، شريطة إدراك القائمين على الدولة أنّهم لم ينصَّبوا على الرعيّة لكي ينصروا ديناً على دين، أو مبدأً على مبدأ، بل ليقرّوا مبدأ الحقّ البشريّ العامّ، الّذي ليس من شأن السلطة الدينيّة المساس به، ما دام إقراره والحفاظ عليه من اختصاص السلطة المدنيّة.
  في عرضه للسـبب الثالث، يقول فرح أنطون إنّه ليس من شأن السلطة الدينيّة التدخّل في شؤون الإنسـان الدنيويّة، لأنّ غرض الأديان تدبير الآخـرة لا تدبير الدنيا، ولمّا كانت شؤون الدنيا تتغيّر بتغيّر الأحوال والأزمان، امتنع أن تطبّق عليها الأحكام الدينيّة الّتي وضعت في الزمان الخالي.
  أمّا السبب الرابع، فهو استمرار ضعف الأمّة وتخلّفها جرّاء الخصام بين رجال الدين وأهل الفكر، ولأنّ السلطة مضطرّة إلى استرضاء وممالأة سواد الناس، ولأنّ تضارب مصالح الفئات الدينيّة لا بدّ أن يؤدّي إلى نخر سوس الشقاق الدينيّ لجسم الأمّة، إضافة إلى تعرّض المبادئ الدينيّة المقدّسة للامتهان.
  السبب الخامس والأخير، هو أنّ الوحدة الدينيّة الّتي يصبو إليها كلّ نظام دينيّ مستحيلة، لأنّها تتنافى مع مبدأ حرّيّة الاعتقاد، ومع مبدأ الاختلاف والتباين والتنوّع الّذي طبع عليه العقل البشريّ، بل الكون بأسره، وهذا ما يعنيه القرآن بالآية :"ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة".
  ومن تلك الأسباب ينطلق فرح أنطون للقول إن الوحدة الحقّة لا يمكن بلوغها إلاّ عن طريق الوطنيّة.
  توخّى فرح أنطون وضع أسس دولة علمانيّة يشترك فيها المسلمون والمسيحيّون على قدم المساواة التامّة. لذلك رأى بوجوب فصل الجوهريّ عن العرضيّ في جميع الأديان. فالجوهريّ هو مجموعة المبادئ والعرضيّ هو مجموعة الشرائع. فإذا تفحّصنا مجموعة المبادئ وجدنا أنّها واحدة في جميع الأديان، أمّا مجموعة الشـرائع، فغايتها الوحيدة هي حثّ الناس على الفضيلة. فجميع الأديان
 إنّما هي دين واحد يعلّم بعض المبادى العامّة، أمّا الشرائع الدينيّة فلا قيمة لها بحدّ ذاتها، فما هي إلاّ مجموعة وسائل لغاية.
  وقد تنبّه فرح أنطون إلى أنّ إقرار العدالة الاجتماعيّة والسياسيّة عرضة لخطرَين متقابلين، هما فرط ضعف الدولة أو فرط قوّتها. وكان مدركاً أنّ الشرقيّين لا يطمحون إلى حاكم قويّ السلطة ما لم تسوّر هذه السلطة بقيود دستوريّة فعّالة، ولا أن تسند السلطة إلى حكّام ضعفاء و"أن لا تلقى الجواهر في المزابل" فيعهد بالسلطة إلى من ليس كفؤاً لها.
  أمّا آفات الحكم في الشرق، فيوجزها فرح أنطون بآفتَين:
  الأولى مرتبطة بضعف الحكّام وسيطرة بطانتهم عليهم، وبانتقال السلطة في معظم البلاد الشرقيّة إلى الملوك والأمراء بالوراثة.
  والثانية مرتبطة "بالآداب السياسيّة والاجتماعيّة" السائدة، ويعني بالآداب الاجتماعيّة المبادئ الخلقيّة والتربويّة الّتي تصون الرابطة المدنيّة بين أبناء الشعب، وبالآداب السياسيّة الأسس الدستوريّة الّتي يبني الحاكم سلطته عليها، ويقسّمها إلى ثلاث:
·  المجالس التشريعيّة: ويتحدّث هنا عن سرّ تقدّم الأمم المنوط بالفصل بين السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة.
·  المعارضة: الّتي تتصدّى للسلطة الحاكمة وتسهر على تنفيذ القوانين واحترامها وتدعو إلى الإصلاح وتعمل على تحقيقه.
·  الصحافة: وحدّد وظائفها باثنتين: اجتماعيّة تتلخّص في نشر ما يفيد الشعب ويرفع مستواه الاجتماعيّ. وسياسيّة تتلخّص في إطلاع الجمهور على أعمال الحكومة حتّى يتبيّن له خطؤها من صوابها.
  في كلّ ما تقدّم تكمن نظريّة فرح أنطون في الدولة، كما وردت في كتاب "ابن رشد وفلسفته" وفي مناظرته مع الإمام محمّد عبده، الّتي ألحقت نصوصها في الكتاب، وهي تقوم على الحرّيّة والمساواة، وعلى توخّي السعادة في الدنيا والقوّة الوطنيّة والسلم بين الأمم. هذه الدولة الّتي لا يمكن أن تتحقّق إلاّ إذا كانت السلطة العلمانيّة مستقلّة عن سلطة أخرى.
2- "الدين والعلم والمال" و "أورشليم الجديدة"
   لم يتوقّف فرح أنطون عن صياغة أحلامه بدولة مدنيّة يحقّق فيها المجتمع الشرقيّ، كلّ إمكانات الإنسانيّة الجديدة الّتي تطلّع إليها، ولكنّه بعد مناظرته مع الإمام محمّد عبده، وجد في القصّة الرمزيّة وسيلة للتجسيد الفنّيّ للأطروحات النظريّة في كتاب "ابن رشد وفلسفته" وتمثيلاً لها. فأصدر روايتَيه "الدين والعلم والمال" (تموز 1903) و"أورشليم الجديدة" (شباط 1904).
  ويبرّر هذا التحوّل بقوله إنّ فنّ الرواية منبر ينشر منه الكاتب آراءه أفكاره بطريقة تبلغها إلى أذهان القرّاء بسهولة، ولأنّ المفهوم الحديث لهذا الفنّ مرتبط بالدولة المدنيّة في نشأته وازدهاره، فإنّ استخدامه في الدفاع عن وجودها الواعد في الشرق أمر ضروريّ لازم، فهو حاجة من حاجات الكاتب الجديدة في عالمه المتغيّر.

  رواية "الدين والعلم والمال" دفاع مجيد عن الدولة المدنيّة، وعن قيمة التساهل (التسامح) الّتي هي أساس التقدّم. يتحدّث فرح أنطون في الرواية حديثاً رمزيّاً عن التنازع القائم بين مدن العلم والدين والمال الثلاثة، وأهمّيّة التسامح الّذي افتقدته هذه المدن، وأدّى الصراع بينها إلى تفاقم "العصبيّة" (نقيضة التسامح) الأمر الّذي أدّى إلى تدمير المدن الثلاث تدميراً كاملاً.
  أمّا رواية "أورشليم الجديدة" فكانت رمزاً للعهد الآتي بالدولة المدنيّة والمجتمع المدنيّ في "يوتوبيا فرح أنطون" أو "الفردوس الأرضيّ للإنسانيّة الجديدة" الّتي يحلم بها. فـ "إنّ أصلاح الأرض مسألة علميّة لا مسألة دينيّة، وإنّ أورشليم القديمة يجب أن تفسح المجال لأورشليم الجديدة".


*  *  *  *  *


الخاتمة

  هؤلاء المفكّرون، وغيرهم، لم يطالبوا بمبدأ العلمانيّة القاضي بفصل السلطة الدينيّة عن السلطة المدنيّة، إلاّ بعد أن أيقنوا بأن لا حياة ولا نهضة ولا تقدّم ولا رقيّ لهذه البلاد إلاّ باستئصال التخلّف والتعصّب الدينيَّين من جذور أفكار وعقائد وتقاليد هذه الأمم الشرقيّة. وبإحلال مبادئ المساواة والعدل بين أبناء هذه الشعوب.
  لقد تأثّر شبلي الشميّل بنظريّة داروين وتبنّاها، وآمن بالعقيدة الاشتراكيّة الّتي رأى فيها الحلّ الأنسب بل الأوحد لشفاء هذا الشرق من أمراض التخلّف والتعصّب والتبعيّة، ورأى بوجوب تعجيل خطا الاشتراكيّة وإحلال الوطنيّة العالميّة ونفض الغبار القديم. بينما دعا كلّ من خليل سعادة وفرح أنطون إلى التعصّب القوميّ والوطنيّ بدلاً من التعصّب الدينيّ، لأنّ من شأن ذلك إرساء مفهوم المواطنيّة لدى الناس، وتوحيد أفكارهم وآرائهم من أجل النهوض بأوطانهم.
  هذه الأفكار جاء بها هؤلاء منذ قرن خلا تقريباً، والسؤال الّذي يطرح نفسه هنا، أين أصبحت تلك الأفكار، الّتي ساهمت منذ أكثر من قرن في نهضة أوروبا مثلاً؟ وهل استطاعت بلادنا النهوض فعلاً؟ وعليه، هل حقّاً يمكننا اعتبار ذلك العصر عصر نهضةٍ ونحن نرى بلادنا في القرن الواحد والعشرين لا تزال تتخبّط في عصبيّاتها الطائفيّة والمذهبيّة والعشائرية والمناطقية... ونرى ما يسمّى بربيعها يحمل لواءه حَـمَلة رايات التخلّف والتكفير والتبعية...    

*  *  *  *  *




  ثبت المصادر والمراجع
المصادر

 

1- أنطون، فرح، ابن رشد وفلسفته، دار الطليعة، بيروت، لبنان، آذار (مارس)، 1981
2- كتاب الرابطة، (تقديم نواف حردان، يضمّ معظم مقالات الدكتور خليل سعادة التي نشرت في مجلّتَي "الرابطة" و"المجلّة" وبعض ما قيل فيه)، سان باولو، 1971
3- الشميّل، شبلي، فلسفة النشوء والارتقاء، دار مارون عبّود، طبعة جديدة، 1983

المراجع

 

1- حميّة، علي، خليل سعادة سيرته وأعماله، دار الفرات، بيروت، 2007
2- حوراني، ألبرت، الفكر العربيّ في عصر النهضة، ترجمة كريم عزقول، دار النهار للنشـر، بيروت، الطبعة الثالثة 1977
3- داية، جان، "علمانيّو بلاد الشام المسلمون في عصر النّهضة"، في جريدة تحوّلات، العدد الرابع والعشرون، السبت 14 تمّوز 2007
4- شرابي، هشام، المثقّفون العرب والغرب، دار النهار للنشر، بيروت،1971
5- عصفور، جابر، هوامش على دفتر التنوير، المركز الثقافيّ العربيّ، 1993
6- فخري، ماجد، الحركات الفكريّة وروّادها اللبنانيّون في عصر النهضة، دار النهـار للنشـر، بيـروت، 1992
7- القرني، عوض، (بن محمّد)، "العلمانيّة التاريخ والفكرة"، موقع صيد الفوائد الإلكتروني (saaid.net)
8- قطب، محمّد، "مذاهب فكريّة معاصرة (العلمانيّة)"، موقع صيد الفوائد الإلكترونيّ (saaid.net)
9- المحافظة، علي، الاتّجاهات الفكريّة عند العرب في عصر النهضة، الأهلـيّة للنشـر والتوزيـع، بيروت، 1975


 جان، داية، "علمانيّو بلاد الشام المسلمون في عصر النّهضة"، في جريدة تحوّلات، العدد الرابع والعشرون، السبت 14 تمّوز 2007.

 [2]  المرجع السابق. 

 [3] راجع، ألبرت، حوراني، الفكر العربيّ في عصر النّهضة، دار النهار للنشر، الطبعة الثالثة، بيروت، 1977، ص 92- 94.

 راجع، ماجد، فخري، الحركات الفكريّة وروّادها اللبنانيّون في عصر النّهضة، دار النّهار للنشر، بيروت، 1992، ص8.

 علي، المحافظة، الاتّجاهات الفكريّة عند العرب في عصر النهضة، الأهليّة للنشر والتوزيع، بيروت، 1975، ص23 -32.

 راجع، علي، المحافظة، الاتّجاهات الفكريّة عند العرب في عصر النّهضة، مرجع سابق، ص 34 – 35.

 عوض، القرني (بن محمّد)، "العلمانيّة التاريخ والفكرة"، موقع صيد الفوائد الإلكتروني.

 نقلاً عن محمّد، قطب، "مذاهب فكريّة معاصرة (العلمانيّة)"، موقع صيد الفوائد الإلكترونيّ.

 راجع، ماجد فخري، الحركات الفكريّة وروّادها اللبنانيّون في عصر النهضة، مرجع سابق، ص 70.

 المرجع السابق ص71.

 المرجع السابق ص71.

 شبلي، الشميّل، فلسفة النشوء والارتقاء، دار مارون عبود، طبعة جديدة، 1983، ص18.

 ألبرت، حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، مرجع سابق، ص298.

 راجع، شبلي، الشميّل، المرجع السابق، ص 31.

 راجع، المرجع السابق، ص 51.

 شبلي، الشميّل، فلسفة النشوء والارتقاء، مرجع سابق، ص 52.

 راجع، ماجد، فخري، الحركات الفكريّة وروّادها اللبنانيّون في عصر النهضة، مرجع سابق، ص 103- 104.

 [18] راجع، ألبرت، حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، مرجع سابق، ص300.

 راجع، ماجد، فخري، الحركات الفكريّة وروّادها اللبنانيّون في عصر النهضة، مرجع سابق، ص104 – 105.

 شبلي، الشميّل، فلسفة النشوء والارتقاء، مرجع سابق، ص 54 - 55 .

 راجع، ألبرت، حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، مرجع سابق، ص300.

 راجع، ماجد، فخري، الحركات الفكريّة وروّادها اللبنانيّون في عصر النهضة، مرجع سابق، ص 106.

 راجع، المرجع السابق، ص107.

 راجع، المرجع السابق، ص 111.

 راجع، ألبرت، حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، مرجع سابق، ص301.

 راجع، ماجد، فخري، الحركات الفكريّة وروّادها اللبنانيّون في عصر النهضة، مرجع سابق، ص112.

 جابر، عصفور، هوامش على دفتر التنوير، المركز الثقافيّ العربيّ، 1993، ص125

 راجع، علي، حميّة، خليل سعادة سيرته وأعماله، دار الفرات، بيروت، تموز 2007، ص36.

 راجع، المرجع السابق، ص39.

 راجع، المرجع السابق، ص40.

 راجع، علي، حميّة، خليل سعادة سيرته وأعماله، مرجع سابق، ص305.

 راجع، المرجع السابق، ص201.

 راجع، المرجع السابق، ص229.

 المجلّة، بونس أيرس، السنة الأولى، العدد 13، في 15 ك1 1915، ص356. نقلا عن علي، حميّة، خليل سعادة سيرته وأعماله، ص230.

 المجلّة، المرجع السابق.

 راجع، علي، حميّة، المرجع السابق، ص233.

 راجع، المرجع السابق، ص234.

 راجع، علي، حميّة، خليل سعادة سيرته وأعماله، مرجع سابق، ص239.

خليل، سعادة، "الوطن والدين والسياسة"، مجلّة "الرابطة"، السنة الرابعة، العدد 103، 30 آذار 1932، عن كتاب الرابطة (الذّي جمعت فيه مقالات خليل سعادة في مجلّة الرابطة، وبعض ما نشر في مجلّة المجلّة، وبعض ما قيل فيه)، سان باولو، البرازيل، 1971.

 كتاب الرابطة، المصدر السابق، ص254.

 راجع، علي، حميّة، خليل سعادة سيرته وأعماله، مرجع سابق، ص242 – 243.

 راجع، المرجع السابق، ص244.

 راجع، علي، حميّة، خليل سعادة سيرته وأعماله، مرجع سابق، ص245.

 المرجع السابق، ص248.

 كتاب الرابطة، مرجع سابق، ص332.

 راجع، ماجد، فخري، الحركات الفكريّة وروّادها اللبنانيّون في عصر النهضة، مرجع سابق، ص47.

 هشام، شرابي، المثقّفون العرب والغرب، دار النهار للنشر، بيروت، 1971، ص78.

 فرح، أنطون، ابن رشد وفلسفته، دار الطليعة، بيروت، آذار (مارس)، 1981، ص37.

 راجع، ماجد، فخري، الحركات الفكريّة وروّادها اللبنانيّون في عصر النهضة، مرجع سابق، ص95.

 راجع، المرجع السابق، ص96.

 راجع، ألبرت، حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، مرجع سابق، ص304.

 راجع، ماجد، فخري، الحركات الفكريّة وروّادها اللبنانيّون في عصر النهضة، مرجع سابق، ص97 – 98 – 99.

 راجع، ألبرت، حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، مرجع سابق، ص305.

 راجع، ماجد، فخري، الحركات الفكريّة وروّادها اللبنانيّون في عصر النهضة، مرجع سابق، ص100.

 راجع، المرجع السابق، ص101 – 102.

 راجع، جابر، عصفور، هوامش على دفتر التنوير، مرجع سابق، ص240.

 راجع، جابر، عصفور، المرجع السابق، ص241.


 جابر، عصفور، المرجع السابق، ص244.
Saadeh Facebook  Saadeh Twitter Saadeh Email