الوضع الاستراتيجي والعسكري الاميركي في العالم
 العميد المتقاعد الياس فرحات


لم يعد الانتشار العسكري في العالم شأنا أميركياً خاصا ولا من اهتمامات القطب الآخر في النظام العالمي السابق ثنائي القطبية، إنه شأن جميع الدول والشعوب التي يشملها الانتشار او الانسحاب من الاراضي الوطنية والمياه الاقليمية أو الدولية القريبة. الولايات المتحدة سيدة البحار من دون منازع جدي، والدولة الوحيدة القادرة على التدخل العسكري السريع في جميع أنحاء العالم هي اليوم أمام تحديات استراتيجية لانتشارها المفرط بالمساحة وتحديات عسكرية أبرزها الحرب غير المتماثلة التي لجأت اليها الشعوب في افغانستان والعراق والتي فرضت عليها الانسحاب من دون تحقيق أهداف الحرب أو الانتشار الذي جرى في تلك البلاد. الولايات المتحدة ذكية ولامعة وسريعة في الدخول العسكري إلى أي بلد، لكنها غبية ومترددة في الخروج وباتت استراتيجية الخروج أمراً معقدا لم تحسن الدوائر العسكرية اعداده،والاكثر من ذلك انها فشلت في اعداد مثل هذه الاستراتيجية في مناسبات عديدة ليس أقلها مشهد الهروب على متن السفن اوسلالم الطائرات من فيتنام أو الوقفة التأملية في العراق عندما اكتشف صناع القرار انهم بإزاحتهم نظام صدام حسين فسحوا المجال لإيران للتمدد غربا نحو البلاد العربية وشرق أفريقيا والبحر الاحمر.
نعرض أدناه للاستراتيجية الاميركية وللانتشار العسكري الاميركي الذي يعاني الكثير من الشوائب والمشاكل التي يغطيها عدم وجود قوة عسكرية دولية منافسة بعدما فشل الاتحاد الاوروبي في إنشاء قوة تدخل في العالم أو في محيطه القريب وبعدما تبين أن الروس والصينيين يسيرون كالسلحفاة لتحقيق مأربهم فيما يراوح الارنب الاميركي خطاه 

جاء في نشرة استراتيجية الامن القومي الاميركية الصادرة عن البيت الابيض: «في مطلع القرن الواحد والعشرين تواجه الولايات المتحدة جملة تحديات لأمنها القومي, وكما نجحت في المساعدة على تحديد مسار القرن العشرين فانها سوف تبني مصادر القوة والنفوذ وتحدد النظام العالمي القادرعلى التغلب على تحديات القرن الواحد والعشرين»(1). بعد مضي عقدين على انتهاء الحرب الباردة يبدو مشهد العالم المتغير كما يلي: نمو كبير في الاقتصاد العالمي, التجارة الدولية تتحكم بمصير معظم الدول, توسعت دائرة الدول الديموقراطية, تراجع خطر المواجهة النووية, الديموقراطية تنتشر وبات عدد الشعوب التي تتحكم بمصيرها أكبر. في المقابل هناك مشاكل كبيرة تواجه هذا العالم أبرزها أن الحرب على الايديولوجيات تراجعت لتحل مكانها الحروب الدينية والاثنية والقبلية,ارتفعت مخاطر الانتشار النووي, ازداد عدم الاستقرارالاقتصادي وتراجعت المساواة بين الشعوب. يتشارك الجميع مخاطر تلوث البيئة وتأثيرها على الغذاء والصحة العامة. يمكن القول إن أدوات بناء الدول نفسها يمكن أن تستخدم لتدميرها. ازاء هذا المشهد جاءت هجمات 11 ايلول لتفتح صفحة جديدة في خيارات الاميركيين وهي محاربة الارهاب وما يترتب عليها من سياسات و استراتيجيات جديدة ومكلفة. وضع البيت الابيض استرتيجية ثابتة للولايات المتحدة تخدم مصالحها الامنية والسياسية والاقتصادية والثقافية انطلاقا من التحديات التي يفرضها الواقع الدولي الراهن في أوائل القرن الواحد والعشرين ومن الفرص التي يؤمنها النظام العالمي الجديد لتحقيق أهداف ومصالح أميركا.
حدد البيت الابيض أربعة أهداف ثابتة للاستراتيجة الاميركية هي الامن ويقصد به أمن الولايات المتحدة ومواطنيها وحلفائها وشركائها. والازدهار أي تحقيق اقتصاد أميركي قوي ومتطور وخلاق ضمن نظام دولي يوفر الفرص وسبل التقدم . والقيم اي احترام القيم العالمية داخل الولايات المتحدة وخارجها والحفاظ على النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة الذي يحقق السلام والأمن ويوفر الفرص من أجل تعاون أقوى لمواجهة التحديات العالمية.
في القوة العسكرية تعتبر الولايات المتحدة من دون نقاش الاقوى عسكريا في العالم فهي سيدة البحار بأساطيلها المنتشرة في جميع البحار والمحيطات واقمارها الاصطناعية في الفضاء تراقب الكرة الارضية بأكملها وقواتها البرية منتشرة في نحو 550 مكانا في العالم وهي الدولة الوحيدة القادرة على التدخل العسكري التقليدي في جميع أنحاء العالم.
تتمتع الولايات المتحدة بدبلوماسية ناشطة متحركة لا تهدأ. ترى الدبلوماسيين يأتون من واشنطن وينضمون إلى السفراء في المناطق الساخنة ويتابعون أدق التفاصيل ويمسكون بملفاتهم ويعالجونها بجدية ويحرصون على استمرارها عند كل تغيير للاشخاص المسؤولين .على الصعيد الاستخباري يوجد في الولايات المتحدة 17 جهاز استخبارات تنضوي تحت إمرة  رئيس المجموعة الاستخبارية (استحدث هذا التنظيم الرئيس بوش الثاني بعد 11 أيلول) وأهم الأجهزة، وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي ووكالات الدفاع والجيش والقوات الجوية والبحرية ومكتب التحقيق الفدرالي وغيرها.
حققت الولايات المتحدة تقدما إقتصادياً مذهلا جعلها تتربع على عرش الاقتصاد العالمي وتهيمن على اقتصادات العالم وتحول الدولار الاميركي إلى عملة دولية. عام 1972 أعلن الرئيس نيكسون وقف الارتباط بين الدولار والذهب, معتبراً أن قوة الاقتصاد الاميركي هي مصدر قوة الدولار, وبعدها طرحت أوراقها النقدية من دون تغطية. لم يتأثر الاقتصاد الاميركي إلا قليلا نتيجة احداث 11 ايلول وبعد الاعصارات التي اجتاحت مناطق عديدة أبرزها إعصار كاترينا الذي زادت خسائره على 100 مليار دولار. حتى الازمة المالية العالمية الاخيرة  الناتجة عن افلاسات المصارف الكبرى وتدهور سوق العقارات استطاعت الولايات المتحدة مواجهتها باعمال تحفيز وهي كناية عن طرح مبالغ مالية هائلة في الاسواق وتعويم البنوك من أجل تحريك الاقتصاد والتغلب على عدو الاقتصاد الاول وهو الجمود.
بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه أضحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم والسلطة التي تتحكم في مصير الدول والشعوب. مع كل ذلك أوقعت الولايات المتحدة نفسها في حربين تقليديتين في أفغانستان والعراق استنزفتا مواردها وامكاناتها العسكرية والاقتصادية. وبدا ان هاتين الحربين سوف تنتهيان بهزيمة واضحة للولايات المتحدة بسبب عدم تحقيق أهدافها بل على العكس تحققت أهداف أعدائها. يضاف إلى هاتين الحربين الحرب على الارهاب التي بدأت بعد 11 ايلول 2011 ولم تنته بعد ولا يقدر أن تنتهي في المستقبل القريب.
شكل قرار الولايات المتحدة الانسحاب من العراق في نهاية 2011 والانسحاب من أفغانستان في نهاية 2014 شبه هزيمة عسكرية وسياسية, وقد أملت المعطيات السياسية و الاقتصادية على الادارة اتخاذ هذا القرار ووافق عليه الكونغرس بسبب تفهمه للكلفة العالية للحربين. تمتد استراتيجية الولايات المتحدة إلى مختلف مجالات السياسة والامن والدفاع والاقتصاد والثقافة وغيرها, وما يهمنا هو استراتيجية الامن لأنها الاساس في المواجهة مع الهيمنة الاميركية.
نعرض للوضع الاستراتيجي الاميركي بالاستناد إلى الاستراتيجية التي أعدها البيت الابيض والمشار إليها آنفاً .يتميز عرض الاستراتيجية بتفصيل كل المواضيع وكأنها أجندة عمل, لا عجب, فتلك هي البراغماتية الاميركية البعيدة عن الادبيات المطولة
اعتبر البيت الابيض أن التهديدات التي تواجهها الولايات المتحدة تغيرت بشكل دراماتيكي خلال السنوات العشرين الماضية, فبدلا عن خصم نووي واحد أي الاتحاد السوفياتي السابق, تتعرض لتهديد انتشار اسلحة نووية ووصولها إلى أيدي متطرفين لا يمكن ردعهم عن استعمالها. وبدلا من التعامل مع امبراطورية كبيرة توسعية, تواجه الولايات المتحدة عدداً من الدول التي تعتبرها متطرفة ومارقة عن الشرعية الدولية أو دول تتهاوى وتشكل خطراً جراء تفككها. بالاضافة إلى مواجهة اعدائها في الميدان التقليدي تواجه أميركا خطر الحرب غير المتماثلة (الحرب الثورية والارهاب) وخطر حرب المعلوماتية. تبقى مسؤولية الولايات المتحدة حماية مواطنيها والاضطلاع بمسؤولية الحفاظ على السلام والامن الدوليين. الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم القادرة على نشر قوات عسكرية مقاتلة في جميع أنحاء العالم وتحتفظ بقدرات عسكرية متفوقة تمكنها من إلحاق الهزيمة بأي عدو, وردع أي تهديد وتأكيد مصداقيتها تجاه حلفائها وشركائها. في الداخل تعمد الادارة على تكامل جهود الامن الوطني مع كل متطلبات الامن القومي وتعزيز جهوزية الوحدات المختصة ومرونتها في العمل. في الخارج, تعزز الادارة تحالفاتها وتقيم شراكات جديدة وتستخدم أدوات القوة الاميركية من أجل تحقيق اهدافها ومن ضمنها استخدام الدبلوماسية و تقوية القواعد والنظم الدولية من أجل عزل الحكومات التي لا تلتزم بها وحشد التعاون الدولي ضد اللاعبين- غيرالدول الذين يعرضون امنها للخطر.

 تتمثل تدابيرالامن في الاستراتيجية الاميركية النقاط التالية:
تعزيز الامن والمرونة في العمل على الجبهة الداخلية:
تواجه الولايات المتحدة الاخطار المهددة لمواطنيها وهي الارهاب والكوارث الطبيعية والهجمات الالكترونية المعلوماتية وانتشار الاوبئة. ولهذه الغاية يجري تعزيز التدابيرالامنية في الداخل لردع أي هجمات وحماية البنى التحتية والموانىء البحرية والجوية والنقاط الحدودية والسواحل والاجواء وتنسيق الجهود الفدرالية والمحلية والاهلية لتحقيق هذه الاهداف.
  إتخاذ تدابير فعالة لمواجهة حالات الطوارىء: تقوم الادارة ببناء كل الامكانات المطلوبة من اجل مواجهة الكوارث والتخفيف من أضرارها, والتأكد من توحيد كل الجهود والمؤسسات المعنية بعمليات الانقاذ والاغاثة تطوير, وتعزيز الامكانات التقنية والاتصالات وتخطيط برامج العمل على مختلف المستويات الحكومية من أجل سرعة المواجهة ونجاحها.
  تحصين المجتمع ضد الراديكالية: حصلت مؤخرا أعمال إرهابية قام بها متشددون أعدوا انفسهم للعمل في داخل البلاد وخارجها وتبين أنه قد تم تنشئتهم في داخل البلاد. تقوم الحكومة الفدرالية باتخاذ تدابير لتوعية العائلات والمجتمعات والمؤسسات. تخصص الحكومة الفدرالية جهودا استخبارية من أجل تفهم هذا التهديد وحث المجتمعات على مواجهته وإعداد برامج لهذه الغاية. وتقوم أيضاً بناء على خبرة الوكالات الحكومية ومواردها, بالاصغاء إلى هواجس المجتمع ومنع الهجمات على الداخل الاميركي وإعداد سياسات تتماشى مع اهتمامات المجتمعات للحفاظ على التعددية واعتبارها مصدر قوة أميركياً.
  تحسين الليونة في العمل من خلال شراكة بين القطاعين الخاص والعام: عند حصول حوادث يجب أن تظهر الادارة مرونتها في الخروج من الوضع الاستثنائي والاسراع في العودة إلى الحياة الطبيعية. يجب الاهتمام بالقطاع الخاص لأنه يمتلك معظم موارد البلاد وبناها التحتية ويلعب دورا هاما في أعمال الاغاثة. يجب إيجاد حوافز للحكومة والقطاع الخاص من أجل وضع هيكليات ومخططات وانظمة تخفف من التعرض للاضرار, و تشجيع الاستثمار في التحسينات على البنى التحتية.
  التعامل مع الجماعات والمواطنين: يجب التأكيد على واجب الافراد والجماعات في توفير المعلومات المطلوبة المتعلقة بالاخطار الطارئة والتشديد على اتخاذ خطوات عملية تمكن جميع الاميركيين من حماية أنفسهم وعائلاتهم و جيرانهم ومجتمعهم.

تفكيك وضرب تنظيم القاعدة والتنظيمات المتطرفة العنيفة التابعة له في افغانستان وباكستان جميع انحاء العالم:
تشن الولايات المتحدة حربا واسعة على تنظيم القاعدة من أجل القضاء عليه وتعتمد في هذه الحرب استراتيجية الحماية في الداخل والمحافظة على الاسلحة الفتاكة, ومنع وصولها إلى القاعدة, ومنع القاعدة من الحصول على ملاذ آمن في العالم. وتعمل على بناء شراكات ايجابية مع الجماعات الاسلامية في جميع انحاء العالم. تلحظ الاستراتيجية الاميركية في محاربة القاعدة اجراءات عديدة هي:
  منع الهجمات على الاراضي الاميركية وداخلها: من أجل منع العمليات الارهابية على الاراضي الاميركية يجب تضافر جهود الاستخبارات والضابطة العدلية وجهاز الشرطة والأمن الداخلي وأن تتشارك جميعها المعلومات الاستخبارية وتوصلها إلى مسؤولي الاستخبارات والمحللين وضباط مكافحة الارهاب. يجب التنسيق مع الشركاء في الخارج من أجل تحديد مصدر تمويل الارهاب وتعقبه والوصول إليه. يجب تعزيز التعاون الثنائي مع الدول ومن خلال المنظمات الاقليمية والدولية لتنسيق الجهود الدولية لمنع العمليات الارهابية.
  تقوية الأمن الجوي: من المعروف أن الطيران الدولي هو هدف أساسي لتنظيم القاعدة والتنظيمات التي تدور في فلكه. تقوم الولايات المتحدة بتعزيز الامن الجوي في العالم بالتركيز على جمع المعلومات وفحص الركاب واجراءات التفتيش واستخدام أجهزة المسح المتطورة وتعزيز قواعد الامان في الطيران الدولي.
  منع الارهابيين من الوصول إلى أسلحة الدمار الشامل: من أجل منع وقوع أسلحة الدمار الشامل بيد الارهابيين تتخذ الولايات المتحدة حزمة اجراءات لتكثيف الجهود لحماية جميع المواد النووية وفق برنامج زمني حتى نهاية العام 2013 ومنع إنتشار الاسلحة النووية. كما تتخذ إجراءات لحماية الامكانات والمعلومات في العلوم الكيميائية التي تؤدي إلى إساءة استعمالها.
  منع القاعدة من تهديد الولايات المتحدة ومواطنيها وشركائها وحلفائها ومصالحها في جميع أنحاء العالم: تعمل الولايات المتحدة على منع القاعدة أو أي من حلفائها من أن تكتسب أي قدرة على تخطيط وتنفيذ هجمات ارهابية خصوصا ضد الولايات المتحدة. يعد تنظيم القاعدة في باكستان الاخطر في العالم ومع ذلك تواجه الولايات المتحدة تهديدات من أماكن أخرى في العالم وتسعى السلطات الاميركية إلى منع القاعدة والمنظمات التابعة لها من التخطيط والتدريب للارهاب وتطويع الارهابيين وتمركزهم في جميع بلاد العالم ومن ضمنها أوروبا وأميركا الشمالية.
  باكستان وأفغانستان: يعتبر هذان البلدان مركز الثقل لتنظيم القاعدة. في أفغانستان تسعى الولايات المتحدة لمنع القاعدة من أي ملاذ آمن, ومنع طالبان من الاطاحة بالحكومة الافغانية, ودعم قوات الامن الافغانية والحكومة, لتتمكن من تولي المسؤولية في البلاد. في باكستان تعمل مع الحكومة الباكستانية لمواجهة التهديدات المحلية والاقليمية والدولية من الارهابيين.تتحقق هذه الاهداف من خلال الخطوات الثلاث التالية:
  تتابع القوات الاميركية وقوات حلف شمال الاطلسي «إيساف» استهداف المتمردين وحماية المدن والتجمعات السكنية وزيادة دعم تدريب القوات الافغانية من أجل انتقال المسؤولية في المستقبل إلى الحكومة الافغانية.
  العمل مع الشركاء في الامم المتحدة والحكومة الافغانية من اجل توفير خبرة ودراية في الحكم. تدعم الولايات المتحدة الرئيس الافغاني والحكومة والوزارات والمحافظين والحكام المحليين لمكافحة الفساد وتقديم الخدمات اللازمة للمواطنين والتأكيد على المحافظة على حقوق الانسان لدى الشعب الافغاني - رجالا ونساء. تؤكد الولايات المتحدة على استقرار أفغانستان وازدهارها
  تعزيز العلاقة مع باكستان استنادا إلى المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. من أجل التغلب على الارهابيين الذين يهددون البلدين  ستعزز الولايات المتحدة قدرة باكستان على استهداف الارهابيين داخل أراضيها وتقدم لها مساعدات امنية. كما ستقدم مساعدات لسد احتياجات الشعب الباكستاني من أجل بناء شراكة استراتيجية وتقوية التعاون في مجالات عديدة.
  حرمان القاعدة من الملاذات الامنة وتقوية الدول المهددة: ستواجه الولايات المتحدة تنظيم القاعدة في أي مكان يقيم فيه ملاذا آمناً مثل اليمن والصومال والمغرب والساحل الافريقي الغربي بكل الضغوط. وستقوي شبكة حلفائها من أجل تعطيل القدرات البشرية والمالية والمخططات, وإحباط مخططات العمليات الارهابية قبل تنفيذها. ستتركز الجهود على تبادل المعلومات الاستخبارية والتعاون في التحقيقات وخلق ممارسات جديدة من التعاون لمواجهة الأعداء المشتركين.
  اعتماد معايير العدالة الثابتة والحاسمة: اعتماد مقاربات قانونية تنسجم مع القيم الاميركية في احتجاز المتهمين واستجوابهم. يجب جلب الارهابيين إلى العدالة والالتزام بحكم القانون .
  مقاومة الخوف والمبالغة في ردود الفعل: من المعروف أن هدف الاعمال الارهابية هو بث الذعر فاذا اعترانا الخوف نكون قد حققنا هدف الارهابيين. إن المبالغة في ردود الفعل على العمليات الارهابية تؤدي إلى شرخ بين الولايات المتحدة وبعض المناطق والاديان وستؤدي إلى تقويض عمل القيادة الاميركية وتجعل الولايات المتحدة أقل أمناً.
  التباين بين نوايا القاعدة بالتدمير وايمان الولايات المتحدة بالبناء: فيما تعمد القاعدة على التدمير سوف توضح الولايات المتحدة نواياها في بناء الجسور بين الشعوب من مختلف المناطق والمعتقدات وسوف تستمر بالعمل لحل النزاع العربي-الاسرائيلي الذي يعتبر مصدر توتر منذ زمن طويل. وستقف إلى جانب حقوق كل الشعوب بمن فيهم الذين تختلف معهم. وتقيم شراكات مع مجموعات اسلامية في جميع انحاء العالم.
في مجال الصحة والتعليم والابتكارات, وفي مجال التأكيد على العلاقة مع المسلمين ستؤكد على التزامها بدعم تطلعات الشعوب لتحقيق الأمن وخلق الفرص. وأخيراً ترفض الولايات المتحدة الكلام عن ان القاعدة تمثل اية سلطة دينية. وتعتبر أنها ليست القيادة الدينية بل مجموعة من القتلة لأن الاسلام مثل سائر الاديان لا يرضى بقتل الابرياء.

منع انتشار الاسلحة البيولوجية والنووية والمحافظة على المواد النووية:
إن أخطر ما يواجه الشعب الاميركي هو هجوم إرهابي باستخدام السلاح النووي, كما يؤدي انتشار الاسلحة النووية إلى تهديد للامن والسلام الدوليين. بعد انتهاء الحرب الباردة ازداد خطر الهجوم باستخدام الاسلحة النووية. بقي مخزون الاسلحة النووية على حاله وامتلكت مزيد من الدول السلاح النووي. واستؤنفت التجارب النووية. شهدت السوق السوداء الاتجار بالأسرار والمواد النووية وظهر تصميم الارهابيين على شراء السلاح النووي أو صنعه أو سرقته. ستبذل الولايات المتحدة أقصى جهودها من أجل احتواء المواد النووية, ولهذه الغاية تقوم بما يلي:
  متابعة تحقيق هدف «عالم خال من الأسلحة النووية»: علما أن هذا الهدف لن يتحقق في ولاية هذه الادارة .تلتزم الولايات المتحدة استنادا إلى معاهدة الحد من انتشار الاسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية أن تتعاون مع روسيا والدول الاخرى من أجل زيادة المصداقية في محاسبة الاخرين على التزامهم بموجبات المعاهدة. طالما أنّ الاسلحة النووية موجودة فان الولايات المتحدة تلتزم بالاحتفاظ بترسانة نووية كافية من أجل ردع خصومها والتأكيد لحلفائها على احترام التزاماتها الامنية. وقعت الولايات المتحدة مع روسيا معاهدة «ستارت» للحد من انتشار الأسلحة الاستراتيجية التي تحدد عدد الرؤوس النووية ووسائل الاطلاق وطرق المراقبة. الولايات المتحدة بصدد تخفيف الاعتماد على الاسلحة النووية في مقاربتها الامنية والتأكيد على عدم استعمال الاسلحة النووية ضد الدول التي لا تمتلكها وتلتزم بموجبات معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية وبعدم إنتاج سلاح نووي. وستتابع مصادقة الدول على معاهدة منع إجراء التجارب النووية.
  تقوية العمل بمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية: إن جوهر معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية هو ان الدول التي تحوزعلى هذه الاسلحة تتجه إلى نزعه والدول التي لا تمتلك هذا السلاح تمتنع عن حيازته ولجميع الدول حق الحصول على الطاقة النووية السلمية.من اجل تقوية هذه المعاهدة يجب أن تسعى إلى مزيد من الصلاحيات والموارد في أعمال التفتيش. يجب التأكد من أن جميع الدول تفي بالتزاماتها في هذه المعاهدة وأن تتخذ تدابير ضد الدول غير الملتزمة.
  تقديم خيار واضح لايران ولكوريا الشمالية: تسعى الولايات المتحدة إلى إزالة السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية ومنع إيران من حيازته. انه ليس استفرادا لدول لكن إذا تخلصت كوريا الشمالية من السلاح النووي وامتنعت ايران عن بناء سلاح نووي فهذا يؤدي إلى تكاملهما مع المجتمع الدولي. أما إذا لم يحصل ذلك فان هناك وسائل أخرى لزيادة عزلهما لحين موافقتهما على التخلص من هذه الاسلحة.
  المحافظة على الاسلحة والمواد النووية المعرضة لسوء الاستخدام: في عام 2010 وبمبادرة اميركية اجتمعت قمة الامن النووي العالمي بحضور 47 دولة بهدف المحافظة على المواد النووية من خطر سيطرة الارهابيين عليها. في نهاية عام 2013 سوف تسعى الولايات المتحدة الى التركيز على قيام جهود دولية من أجل التأكد من المحافظة على المواد النووية المعرضة لسوء الاستخدام وتعزيز حمايتها وإجراء مساءلات عنها بالتعاون مع المؤسسات الدولية, واقامة شراكات جديدة لاقفال هذا الموضوع. ستقوم الولايات المتحدة باطلاق مبادرة أمن انتشار الاسلحة النووية, والمبادرة العالمية لمحاربة الارهاب النووي, من أجل البحث عن المواد النووية واعتراضها اثناء نقلها ومنع الاتجار بالتكنولوجيا النووية.
  دعم الطاقة النووية السلمية: فيما تتحرك بعض الدول لانتاج الكهرباء من الطاقة النووية يجب التحقق من أن تلك الدول تطور بنى تحتية من أجل ضمان انتاج الطاقة بسلامة وأمان. تسعى الولايات المتحدة من اجل توفيرالهيئات المختصة وتدريب الموظفين المعنيين وتعميم قواعد الامان لمنع العمليات الارهابية في المجال النووي وتأمين التعامل بسلامه مع الوقود النووي في أول العمليات وآخرها .
  مواجهة التهديدات البيولوجية: إن انتشار العوامل البيولوجية القاتلة في المناطق السكنية يؤدي إلى موت أعداد كبيرة من السكان ويؤثر على الاوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. تعمل الادارة الاميركية مع شركاء في الداخل والخارج للحماية من التهديدات البيولوجية بنشر قواعد الصحة العامة الدولية, وتعزيز تدابير الامان والاطلاع الدائم على المخاطر الحالية والمرتقبة وتعزيز القدرات من أجل منع الهجمات البيولوجية ,وتوقيف من يقوم بهذا العمل, وتأمين الاتصال مع المعنيين بالاخطار البيولوجية, وإطلاق حوار دولي حول التهديدات البيولوجية.

دفع عملية السلام والامن وتحقيق الفرص في الشرق الاوسط الكبير
تملك الولايات المتحدة مصالح هامة في الشرق الاوسط الكبير تتضمن:
  التعاون في مجالات عديدة مع »صديقتها المقربة إسرائيل» والالتزام الثابت بامنها.
  تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته, وإتاحة الفرص أمامه, وتحقيق طموحاته المميزة.
  وحدة العراق وأمنه ودعم الديموقراطية فيه وإعادة تكامله مع محيطه.
  تحويل السياسة الايرانية بعيدا عن سعيها لامتلاك الاسلحة النووية ودعمها »الارهاب وتهديد الدول المجاورة».
  منع انتشار الاسلحة النووية والتعاون في مكافحة الارهاب, واستكشاف موارد الطاقة وتكامل المنطقة في الاسواق العالمية.

إن علاقة الولايات المتحدة مع اصدقائها الاسرائيليين والعرب تتجاوز الالتزامات الامنية نحو التجارة والتبادل والتعاون في مسائل عديدة.
أهم القضايا الاستراتيجية أمام الولايات المتحدة  في الشرق الأوسط الكبير هي:
  مع نهاية الحرب في العراق إنهاء مرحلة انتقالية جادة: تعتبر الولايات المتحدة إن الحرب على العراق تشكل تحدياً كبيراً لها وللمجتمع الدولي وللشعب العراقي وللمنطقة بكاملها, وهي تهدف الى عراق سيد مستقل معتمد على نفسه, وتسعى إلى قيام حكومة عراقية تمثل الشعب, وتخضع للمساءلة وتمنع الارهابيين من الحصول على ملاذ آمن في البلاد. تسعى الولايات المتحدة لتحقيق هذه الأهداف باعتماد استراتيجية تتألف من ثلاثة مكونات:
أأمن المرحلة الانتقالية: سوف تسحب الولايات المتحدة قواتها من العراق التزاما بالاتفاقية المعقودة مع الحكومة العراقية. سوف تستمر بتدريب وتجهيز قوات الامن العراقية وتقديم المشورة لها وتنفيذ مهمات محددة لمكافحة الارهاب, وسوف تنقل المسؤولية الأمنية بكاملها إلى الحكومة العراقية.
ب- دعم المؤسسات المدنية: مع تحسن الوضع الامني سوف تتوسع المساعدات المدنية الاميركية للعراق وسوف تحافظ الولايات المتحدة على نشاطها السياسي والدبلوماسي والمدني من أجل حل الخلافات بين العراقيين, وتكامل اللاجئين والمهجرين العائدين في المجتمع, وتطوير مؤسسات ديموقراطية خاضعة للمساءلة. ستعمل الولايات المتحدة مع الحكومة العراقية لتطبيق اتفاقية الاطار الاستراتيجي, مع الحرص أن تتولى وزارة الخارجية الاميركية زمام القيادة. تتضمن هذه الاتفاقية التعاون في مجالات الدفاع والأمن والدبلوماسية والسياسة والتعليم والصحة والعلوم وحكم القانون.
جالدعم في مجال الدبلوماسية الاقليمية والتنمية: سوف تتابع الولايات المتحدة نشاطها في المنطقة للتأكد من أن انسحاب القوات الاميركية من العراق يوفر فرصة لتثبيت الاستقرار والتنمية المستدامة في العراق ودول المنطقة.ستحافظ الولايات المتحدة على وجود مدني في المنطقة يؤمن مصالحها الاستراتيجية في العراق والمنطقة.
  متابعة عملية السلام العربية الاسرائيلية: تعتبر الولايات المتحدة أنها وإسرائيل والفلسطينيين والدول العربية لها مصلحة في تحقيق تسوية سلمية للنزاع العربي الاسرائيلي تقوم عل تحقيق آمال الاسرائيليين والفلسطينيين في الحفاظ على أمنهم وكرامتهم, ويحقق لاسرائيل السلام الاّمن والدائم مع جميع جيرانها. تسعى الولايات المتحدة إلى حل دولتين تعيشان جنبا إلى جنب بسلام وأمن: دولة يهودية تعيش في أمن حقيقي ومقبولة ويتمتع الاسرائيليون فيها بجميع حقوقهم ودولة فلسطينية في الاراضي المجاورة  وإنهاء الاحتلال الذي بدأعام 1967 و تحقيق آمال الشعب الفلسطيني. سوف تستمر الولايات المتحدة بالعمل مع من وصفتهم بالشركاء الذين اعتبرت بان «لهم ميولنا وعقليتنا» في المنطقة من أجل مسائل الوضعية الدائمة وهي: أمن إسرائيل والفلسطينيين, والحدود, واللاجئين, والقدس. وتسعى أيضاً إلى الحصول على دعم دولي لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية ودعم التنمية الاقتصادية. تعتبر الولايات المتحدة أن السلام العربي الاسرائيلي لن يكون دائما إلا إذا انتهى التدخل الاقليمي «المؤذي». فيما تسعى الولايات المتحدة إلى سلام فلسطيني اسرائيلي فانها تعمل ايضا على سلام اسرائيلي- لبناني واسرائيلي- سوري وسلام شامل مع كل جيرانها. وتتعاون الولايات المتحدة لهذه الغاية مع مبادرات إقليمية ومشاركات متعددة الاطراف ومفاوضات ثنائية.
  السعي لتحويل إيران إلى دولة مسؤولة: تعتبر الولايات المتحدة أن إيران منذ عقود عرضت الأمن في المنطقة وفي الولايات المتحدة للخطر وفشلت في الالتزام بمسؤولياتها الدولية. بالاضافة إلى برنامجها النووي الغامض, فإنها تستمر بدعم الارهاب وتقويض السلام بين إسرائيل والفلسطينيين وحرمان شعبها من حقوقه الانسانية. مضت سنوات عديدة على مقاطعة إيران ولم تغيرسلوكها, وعلى العكس أصبح هذا السلوك يشكل تهديدا. يمكن إجراء الحوار مع إيران من دون وهم, ويمكن أن يقدم لإيران طريق نحو مستقبل إذا كان القادة الإيرانيون جاهزين لذلك ومستعدين لتغيير سلوكهم واستعادة ثقة المجتمع الدولي بهم وأوفوا بالتزاماتهم الدولية. وإذا أصرت الحكومة الإيرانية على رفض الالتزامات الدولية فانها سوف تواجه المزيد من العزل.
تشكل الفقرات أعلاه دليل عمل لاجهزة الادارة الاميركية في التعامل مع الازمات والمشاكل وفقا للخطوط العامة. لكن لا يمكننا بكل بساطة القبول بأن هذه هي الاستراتيجية الاميركية رغم انها رسمية ومعتمدة في الادارة. تشير تطور الاحداث إلى أن هناك استراتيجية غير معلنة تتضمن سلوكا استخباريا يؤدي إلى تطورات سياسية تتم معالجتها وفقا للاستراتيجية المعلنة. صدرت عدة كتب لعملاء سابقين في وكالة الاستخبارات الاميركية تحدثوا فيها عن عمليات اغتيال وتحريض وقلب انظمة ورشاوى قامت بها الادارة الاميركية في عدد كبير من دول العالم وأبرزها كتاب «ارث الرماد» تأليف تيم وينر صادر عام 2009 وكتاب «الحجاب» لبوب وودورد صادر عام 1988. وهذا ما يدفعنا للاعتقاد أن هناك استراتيجية موازية تتضمن استخدام جميع السبل من اجل مواكبة تنفيذ الاستراتيجية المعلنة. ومثلا على ذلك تواكب نشاطات أجهزة الاستخبارات التدابير الاستراتيجية المعلنة تجاه إيران. في قضية الغموض النووي, تشن عمليات استخبارية من أجل التعرف على البرنامج النووي ووقفه عند حد معين, وفيما يتعلق بالارهاب تدفع الولايات المتحدة بكل طاقاتها من أجل شن عمليات استخبارية لمكافحة ما تعتبره الارهاب في ايران والعالم. ينطبق هذا على استراتيجية الولايات المتحدة في النزاع العربي-الاسرائيلي في تكريس الجهد الاستخباري لما تسميه مكافحة الارهاب والتدخلات الاقليمية المؤذية لعملية السلام.
بعد انسحاب القوات العسكرية الاميركية من العراق وأفغانستان ستتغير قواعد اللعبة, لن يكون هناك تدخل عسكري جديد للولايات المتحدة على نمط التدخل في العراق وافغانستان, ويحضر المثل الليبي للتدخل عن بعد باستخدام التكنولوجيا في الطيران الحربي الحديث وربما صواريخ كروز التي تطلق من الغواصات أو السفن الحربية لكن إمكانية مواكبتها بعمليات برية لم تعد واردة. سوف تحرص الولايات المتحدة على عدم الزج بقواتها البرية في احتلالات ونزاعات جديدة.
كيف تحقق الولايات المتحدة أهدافها؟ بغياب أي احتمال لضربات عسكرية مرفقة بعمليات برية يمكن للولايات المتحدة اعتماد أحد الخيارات التالية:
  خيار القصف الجوي والبحري المدمر ضد دولة تعارض سياستها بغية أرغامها على العودة إلى الحظيرة الاميركية. وهنا يبدو المثل الايراني حاضراً أمامنا. هل توجه الولايات المتحدة ضربة عسكرية إلى إيران؟ تتجه التقديرات إلى استبعاد مثل هذه الضربة لعدم اقتصارها على القصف وتوفر امكانية عالية لتوسع الحرب إلى مواجهات برية وتهديدات للمصالح الاميركية الامر الذي يحتم عليها التدخل البري والتورط مجددا في حرب لن تنتهي إلا بخسارتها, فضلا عن أن الاقتصاد الاميركي المأزوم لن يتحمل مثل هذا التدخل.
  خيار مساندة اسرائيل في توجيه ضربة إلى إيران: ليس سراً أن الادارة الاميركية الحالية وحتى السابقة لا تحبذ أية ضربة اسرائيلية الى ايران لانها لاترى فيها بوادر النجاح في وقف البرنامج النووي, ويحضرنا هنا قول وزير الدفاع الاميركي ليون بانيتا في محاضرة له في معهد بروكنغز(2) حضرها نخبة مؤيدي إسرائيل في الولايات المتحدة, «أن الضربة العسكرية لايران توقف البرنامج النووي سنة أو اثنين على الاكثر وانه يفضل استخدام الدبلوماسية والاقتصاد لارغام ايران على التخلي عن مشروعها النووي».
  بما أن كلا الخيارين صعب إلى درجة الاستبعاد فان الولايات المتحدة لجأت إلى نوع جديد من الحرب وهو الحرب الناعمة وهي الحرب باستخدام السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والمال والاعلام والاستخبارات والعمليات السرية من أجل القضاء على النظام الحاكم في الدولة المعارضة وتقويض اللاعبين من غير الدول. هذه الحرب هي جارية حاليا وتخوضها الولايات المتحدة بكل إمكاناتها وقدراتها الذكية وعلى جميع الجبهات المذكورة. إنها تستهدف نقاط الضعف البنيوية في الدول المعارضة من تركيبتها الاثنية والدينية والمذهبية والقبلية إلى امكاناتها الاقتصادية والموارد الضرورية والطاقة والاوضاع المالية إلى العلاقات السياسية والدبلوماسية مع المجتمع الدولي ودول الاقليم واوضاع الحريات والديموقراطية والثقافات والاوضاع الاجتماعية. تلعب الحرب الناعمة على هذه الانقسامات وتستحضر من التاريخ الوقائع والحروب والنزاعات التي تلهب الحماس فيما تغيب أطول مراحل التاريخ  التي شهدت تعايشا وسلما بين مختلف الفئات. إذا عدنا عقدين من الزمن للخلف نرى أن الاتحاد السوفياتي السابق قد انهزم في هذه حرب  كهذه وسقط  وتفكك ولم تحن له الفرصة لاستخدام السلاح النووي ولا التقليدي للدفاع عن نفسه. واليوم تشكل الحرب على سوريا نموذجا للحرب الناعمة فقد شهدنا استخدام سلاح الاعلام والسياسة والدبلوماسية والاقتصاد بشكل علني وفاضح ضد سوريا. مثل هذه الحرب تماما هو ما تسعى إليه الولايات المتحدة وما بدأته بالاشتراك مع إسرائيل منذ زمن طويل ضد حركات المقاومة  في لبنان وفلسطين, حزب الله وحماس وغيرها. تختلف الحرب الناعمة عن الحرب الباردة لان الاخيرة كانت تعتمد حروبا اقليمية طاحنة وثورات وقلب أنظمة بديلا عن المواجهة بين القوتين العظميين نفسيهما.تتميز هذه الحرب أنها غير مكلفة مثل الحرب العسكرية وأنها لا تلفت انتباه المواطن الاميركي الذي يتحسس لمقتل جنود وخسارة مئات المليارات من الدولارات وهذا لا يحصل في الحرب الناعمة حيث تكون الكلفة المالية محدودة ويسهل تحملها.

الوضع العسكري في الشرق الاوسط وتأثيرات الانسحاب من العراق وافغانستان على النفوذ الاميركي
بدأت العلاقات الاميركية في المنطقة العربية قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية حين اجتمع الملك السعودي عبد العزيز آل سعود بالرئيس الاميركي روزفلت(3) على متن المدمرة الاميركية كوينسي في البحيرات المرة قرب قناة السويس في مصر في 14 شباط 1945 وتباحثا في «شؤون دولية وعربية», في الوقت الذي كانت فيه منطقة الشرق الاوسط تخضع لانتداب بريطانيا وفرنسا ونفوذهما.من المعروف أن الهدف الاستراتيجي الاميركي من الانتشار في منطقة الشرق الاوسط هو حماية مصالح الولايات المتحدة في الحرب الباردة وضمان أمن إسرائيل وامن تدفق النفط إلى الاسواق الاميركية والعالمية. عام 1958 حدث أول تدخل عسكري أميركي مباشر في المنطقة عندما أنزلت الولايات المتحدة قوات من الاسطول السادس على الشواطىء اللبنانية على خلفية الانقلاب الذي اطاح بالنظام الملكي في العراق وتخوف الغرب من انضمام العراق إلى الوحدة بين مصر وسوريا والخشية من إسقاط الرئيس اللبناني كميل شمعون وكلام الرئيس الاميركي عن ملء الفراغ الناتج عن تراجع الوجود الفرنسي والبريطاني في المنطقة واحتمال انحياز الدول العربية الى الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة.

 الانتشار العسكري الاميركي في الخليج
عام 1971 وبعدما نالت البحرين استقلالها استأجرت  البحرية الاميركية من بريطانيا قاعدة الدعم اللوجستي في البحرين وتغير اسمها إلى وحدة دعم البحرية الاميركية عام 1999. وفي عام 1995  كلف الاسطول الخامس وبحرية المنطقة الوسطى بقيادة الوحدات البحرية الاميركية المتمركزة في مهمات في الخليج والقادمة من المحيطين الهندي والهادىء وفي عام 2002 أعلن عن تشكيل قيادة القوات البحرية المشتركة في البحرين. توسع الانتشار العسكري في الخليج وجاءت حرب أفغانستان والعراق لتصبح المهمة قتالية بعدما كانت ردعية دفاعية وذلك على الشكل التالي:
البحرين:
وهي مقر الأسطول البحري الأميركي الخامس في المنامة, يعمل فيه 4200 جندي أميركي, ويضم حاملة طائرات أميركية وعدداً من الغواصات الهجومية والمدمرات البحرية وأكثر من 70  طائرة مقاتلة, إضافة لقاذفات قنابل ومقاتلات تكتيكية وطائرات التزود بالوقود المتمركزة بقاعدة الشيخ عيسى الجوية.
السعودية:
إثر عملية عاصفة الصحراء لتحرير الكويت نشرت القوات الاميركية مركزاً لقيادة القوات الجوية الأميركية الإقليمية داخل قاعدة الأمير سلطان الجوية في الرياض ويضم 5000 جندي تابعين للجيش والقوات الجوية الأميركية وأكثر من 80 طائرة مقاتلة استخدمت هذه القاعدة في إدارة الطلعات الجوية لمراقبة حظر الطيران الذي كان مفروضا على شمال العراق وجنوبه خلال فترة تنفيذ العقوبات الدولية, كما كان المركز يعمل للتنسيق بين عمليات جمع المعلومات والاستطلاع والاستخبارات الأميركية في المنطقة. لكن ومنذ أواسط العام 2003 تقريبا، انتقل نحو 4500 جندي أميركي إلى دولة قطر المجاورة, وبقي  في السعودية نحو 500 جندي أميركي متمركزين فيما يعرف بـ«قرية الإسكان» وبذلك انتهى الوجود العسكري الاميركي في قاعدة الأمير سلطان الجوية  في الرياض.
قطر:
انتقلت وحدات من القوات الأميركية من السعودية إلى دولة قطر بعد حرب العراق وانتقل إليها كذلك 600 عنصرتابعين لمركز القيادة العسكرية الأميركية الوسطى في تامبا - فلوريدا. وتوجد في قطر قاعدة العديد الجوية التي تشمل مدرجاً للطائرات يعد من أطول المدارج في العالم, وهي قادرة على استيعاب أكثر من 100 طائرة على الأرض. وهذه القاعدة هي مقر مجموعة 319 للاستطلاع  الجوي التي تضم قاذفات ومقاتلات وطائرات استطلاع إضافة لعدد من الدبابات ووحدات الدعم ومخزون من العتاد والتجهيزات العسكرية المتطورة ما جعل بعض الخبراء يعتبرونها أكبر مخزن إستراتيجي للأسلحة الأميركية في المنطقة.
الكويت:
تنتشر في الكويت الفرقة الثالثة المحمولة جواً من الجيش الاميركي في معسكر الدوحة, و وتضم تجهيزات متنوعة من دبابات وعربات مدرعة و طائرات هليكوبتر وأكثر من 80 طائرة مقاتلة ووحدات من القوات الخاصة سريعة الانتشار. انتقلت بعض الوحدات من العراق إلى الكويت إثر انسحاب القوات الاميركية من العراق مما رفع عدد القوات المنتشرة في الكويت حاليا الى 23 ألفاً.
عمان:
تستخدم الولايات المتحدة في عمان ثلاثة مواقع  متعددة المهام لخدمات دعم جسر جوي, وتأمين جميع المستلزمات اللوجستية  لثلاث قواعد جوية من وقود وآليات وخدمات طبية وصيانة واصلاح وتغذية .
الامارات العربية المتحدة:
تستخدم الولايات المتحدة قاعدة جوية ومستودعات متعددة للدعم اللوجستي إضافة إلى ميناءين هامين يطلان على مياه الخليج كما  تستخدم  جميع الموانىء لاغراض التموين ولرسو السفن العسكرية الكبيرة. كما تعتمد على أنبوب من الفجيرة إلى جبل علي لنقل النفط في حال إقفال مضيق هرمز.
تستفيد الولايات المتحدة تسهيلات عسكرية في الاردن ومصر. أما العراق فقد انسحبت القوات الاميركية مؤخرا منه بعد احتلاله منذ اذار 2003 ويقتصر الوجود العسكري الاميركي على حماية السفارة والمراكز القنصلية(4).

 مهمات القوات المنتشرة:
كانت مهمة القوات الاميركية المنتشرة في الشرق الاوسط مماثلة لباقي القوات المنتشرة في سائر أنحاء العالم وهي العمل كقوة ردع ودعم للحلفاء في فترة الحرب الباردة. وما أن انتهت هذه الحرب حتى تبلورت مهمة القوات في الشرق الاوسط وهي ضمان أمن إسرائيل وأمن تدفق النفط. لم تتأثر هاتين المهمتين بنهاية الحرب الباردة إذ أن النزاع العربي الاسرائيلي لم يصل الى تسوية, وما زالت الولايات المتحدة تعتبر ايران القوة الكبيرة على الضفة الشرقية للخليج, دولة معادية وترى انها تشكل خطرا على مصالحها وعلى حلفائها. لم تظهر دول الخليج أية استعدادات عملية للتفاهم مع إيران حول أمن المنطقة, وما فتىء قادة الخليج يعربون في غير مناسبة عن تمسكهم بالحماية الاميركية وعدم ثقتهم بايران رغم إقامة عدد من هذه الدول علاقات صداقة وتعاون مع ايران «بالتجزئة» مثل قطر وعمان والكويت.
منذ عام 2002  كانت مهمة القوات الاميركية التحضير لعملية الهجوم على العراق وبعدما دخلت هذه القوات إلى العراق تحولت المهمة إلى مساندة الوجود العسكري في العراق.
يشكل أمن تدفق النفط إحدى مهمتي القوات الاميركية في الشرق الاوسط وتجوب  البحرية الاميركية مياه منطقة الخليج و ويحلق الطيران في اجوائها للتأكد من أمن حركة نقل النفط. تعتبر الولايات المتحدة أن التهديد الذي يواجه النفط هو إيران بالدرجة الاولى واحيانا تهديدات القاعدة اذ سبق وان تعرضت ناقلة نفط يابانية إلى عملية ارهابية في مياه الامارات. ان عديد وتجهيز القوات المنتشرة حاليا يكفي لمهمة حفظ امن النفط لكنه لا يكفي لشن عملية عسكرية ضد إيران. تستوجب العملية العسكرية, وهي في الغالب ضربات جوية وصاروخية, حشدا بحريا لحاملات طائرات وقوة عمل بحرية مؤلفة من مدمرات وغواصات ومراكب إنزال ومساندة يجري احضارها من القوات البحرية المنتشرة في المحيطين الهادىء والهندي.
لا يبدو أن هناك في الوقت الراهن خطرا على تدفق النفط لأن لا مصلحة إيرانية بذلك وهي التي يعتمد اقتصادها على النفط بشكل اساسي. لكن القادة الايرانيين تحدثوا مرارا عن احتمال اقفال مضيق هرمز أمام الملاحة وربطوا ذلك بتعرض إيران لعمل عسكري أميركي أو إسرائيلي ومؤخراً تحدثوا عن اقفاله في حال توقيف صادرات النفط الايرانية. أما تهديدات القاعدة فهي تعالج بالاساليب الامنية وليس بالانتشار العسكري.

 أمن النفط بعد الانسحاب من العراق وأفغانستان: وضع نفطي جديد
يطل على ضفاف الخليج أكبر تجمع لدول منتجة للنفط والغاز: السعودية, الكويت, قطر الامارات العربية, العراق, ايران وبنسب أقل البحرين وعمان. وتمر إمدادات النفط عبر مضيق هرمز الى بحر العرب والمحيط الهندي ومنه إلى الاسواق العالمية. تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي نحو 45% من احتياطي النفط الثابت في العالم إلى جانب 20% من الغاز العالمي(5)وتنتج هذه الدول في الوقت الحاضر 15 مليون برميل يومياً من النفط أي 20% من إجمالي إنتاج العالم يضاف اليها انتاج ايران الذي يبلغ نحو 4 ملايين برميل يوميا (الدولة الثانية بعد السعودية) وانتاج العراق الذي يبلغ مليوني برميل وهو قابل للارتفاع عند اعادة تأهيل قطاع النفط في ذلك البلد.
في عام 2002 أشار رئيس مركز الخليج للطاقة والدراسات الاستراتيجية في السعودية عيد الجهني إلى أن النفط الخليجي شكل 40% من واردات العالم النفطية عام 1999. واعتمدت الولايات المتحدة على الواردات لتغطية نسبة 60% من احتياجاتها النفطية. هذا ما دفع  الولايات المتحدة للاهتمام أكثر بأمن تدفق النفط لأنها اعتبرت أنه يمس بالأمن القومي الاميركي ولهذا كانت أولوية الانتشار كما أسلفنا أمن تدفق النفط. لكن وبعد نحو 10 سنوات قال الرئيس الامريكي باراك اوباما في ايار 2010 في حديث اذاعي إن الولايات المتحدة ستسعى لرفع إنتاجها المحلي من النفط في محاولة لتقليل اعتمادها على النفط المستورد و اشار اوباما في كلمته إن انتاج الولايات المتحدة من النفط في عام 2010 وصل إلى أعلى مستوى له منذ سبع سنوات ولكنه أضاف «اعتقد ان علينا المضي قدما في التوسع بانتاج النفط في الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه نواصل الارتقاء بمعايير السلامة في القطاع النفطي» وأضاف أن إدارته قررت بيع عقود ايجار الحقول في محمية الاسكا النفطية بشكل سنوي, بينما سيتم التعامل مع الحقول الواقعة في المحيط الاطلسي كأولوية.
في عام 2008 حصل تطور دراماتيكي في مسألة النفط في الولايات المتحدة عندما كشف تقرير لوزارة الداخلية الاميركية - إدارة المسح الجيولوجي عن وجود مخزون من النفط في ولايتي داكوتا الشمالية ومونتانا يبلغ من 3 إلى 4.3 بليون برميل أي أكثر بـ 25 مرة من تقديرات عام 1995(6), لكن المفاجأة المذهلة كانت في العام 2011 عندما كشفت إدارة المسح الجيولوجي عن وجود مخزون هائل في ولاية وايومنغ يقدر بـ 969 بليون برميل في مناطق غرين ريفر وحوض واشاكي في جنوب غربي الولاية(7). هذا وتقدر احتياط النفط في دول الخليج (السعودية وإيران والعراق والكويت والامارات) بـ 715 بليون برميل(8).
هذه الاكتشافات تجعل الولايات المتحدة في نهاية العقد الحالي أو في العقد القادم مستقلة تماما في الطاقة النفطية ولا تحتاج إلى إنفاق المال على الاساطيل وانتشار القوات من أجل أمن تدفق النفط. سوف تعمد البراغماتية الاميركية الى الانسحاب العسكري من الخليج بعدما بات لا يعنيها امن النفط وتترك للمستفيدين أمر تدبره. لن يكون هذا الانسحاب مفاجئا و سريعا لكن يرجح حصوله بعد دخول الانتاج النفطي الاميركي إلى الأسواق الاميركية وخلال عقد من الزمن.

 نحو آسيا والباسيفيك
في تشرين الثاني 2011 كتبت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون مقالا في مجلة فورين بوليسي بعنوان «قرن أميركا الباسيفيكية»(9). أعلنت كلينتون  في هذا المقال عن سياسة جديدة للولايات المتحدة في المحيط الهادىء, واعتبرت أن مستقبل السياسة العالمية سوف يتقرر في اسيا وليس في افغانستان ولا في العراق, وأن الولايات المتحدة ستكون في قلب الحركة السياسية هناك. وفيما الحرب في العراق على وشك نهايتها, اعتبرت أن الولايات المتحدة تقف في نقطة مفصلية وهي تستعد لسحب قواتها من افغانستان. في السنوات العشر الماضية خصصت أميركا موارد ضخمة لهاتين الحربين وفي السنوات العشر القادمة تحتاج إلى ذكاء ومنهجية في استثمار الوقت والطاقة لتضع نفسها في وضع تحافظ فيه على ريادتها وقيادتها وتحفظ مصالحها وقيمها. وأضافت أن زيادة الاستثمار السياسي والاقتصادي والاستراتيجي في آسيا والمحيط الهادىء هي الاعلى في سلم اولويات السياسة الاميركية في العقد القادم. اعتبرت كلينتون أن منطقة آسيا-المحيط الهادىء هي محرك اساسي للسياسة الدولية. انها تمتد من شبه القارة الهندية الى السواحل الغربية للولايات المتحدة ومن على مدى المحيط الهادىء والمحيط الهندي اللذين يتحكمان بالملاحة والاستراتيجية. انها تتسع لنحو نصف سكان العالم وتضم المحركات الاساسية للاقتصاد العالمي وهي اكثر المناطق باعثة للغازات التي تسبب للاحتباس الحراري في العالم. إنها تضم عددا من اكبر حلفاء الولايات المتحدة, بالاضافة الى قوى صاعدة مثل الصين و الهند واندونيسيا.
أشارت كلينتون إلى أنه مع تفاقم الازمة الاقتصادية في الداخل الاميركي ودخول العراق وافغانستان في الفترة الانتقالية تدعو بعض القوى السياسية الاميركية  الادارة للعودة الى الداخل الاميركي, وتسعى لتخفيض حجم القوات العسكرية المنتشرة في الخارج وزيادة الاهتمام بالشؤون الداخلية. واعتبرت انه يمكن تفهم هواجس هؤلاء, لكنهم ليسوا بالضرورة على حق, أن مفتاح الامن والازدهار الاميركي هو توسيع الاهتمامات الخارجية, من خلق اسواق جديدة, إلى السيطرة على الانتشار النووي ,الى المحافظة على حرية الملاحة والتجارة. لقد بدأت الادارة الاميركية فعلا بالتحرك باتجاه المحيط الهادىء وبلغ عدد زيارات الوزيرة كلينتون إلى المنطقة سبعاً ناهيك عن زيارات الدبلوماسيين المعاونين ووفود الاختصاصيين من أجل المباشرة باعتماد هذه السياسة. من المنطقي أن يترافق الاهتمام الاميركي بآسيا والباسيفيك مع تراجع الاهتمام بالشرق الاوسط خصوصا مع انحسار الاعتماد على النفط من تلك المنطقة. يبقى أن تجد الولايات المتحدة وسيلة لضمان أمن حليفتها إسرائيل ولا تغادر المنطقة تماما إلا بعد تيقنها من ذلك.

 أين أمن اسرائيل؟
من الزاوية الجغرافية إن التدخل الاميركي العسكري لدعم إسرائيل يأتي حكما من البحر الابيض المتوسط وهذا ما حصل فعلا عام 1973 عندما أنزل الاميركيون آليات وعتادا عسكريا للجيش الاسرائيلي لدعمه في حرب تشرين في مواجهة القوات المصرية التي عبرت قناة السويس واندفعت في سيناء قبل أن توقفها القوات الاسرائيلية بعدما تلقت الدعم الاميركي. ثم إن التدخل الاميركي في لبنان عام 1958 وعامي 1982 و1983 جاء من الاسطول السادس الذي يجوب مياه البحر المتوسط و لهذا فان انسحاب القوات الاميركية مستقبلا لن يؤثر من ناحية المساندة العسكرية على أمن إسرائيل.
لا شك أن الادارة الاميركية تسعى لاحلال السلام في المنطقة وتسوية النزاع العربي الاسرائيلي, لكن, ولتاريخه وفقا للشروط الاسرائيلية التي رفضها الفلسطينيون والتي يتعذر أن يقبلوا بها مستقبلا. احدثت هذه الشروط ضيقا في الادارة الاميركية التي ترغب برؤية مفاوضات تجري بين الفلسطينيين والاسرائيليين كي تقنع العرب أنها ما زالت تحترم وعودها في السعي لحل للقضية الفلسطينية. إلا أن الادارة الاميركية تكتفي, وخصوصا في فترة الانتخابات, بالكلام عن مفاوضات فلسطينية اسرائيلية من دون ان تورط نفسها بعمل دبلوماسي. لعل أصدق تعبير عن هذا الضيق هو كلام وزير لدفاع الاميركي ليون بانيتا في معهد بروكنغز - مركز صبان امام نخبة من قادة اليهود ومؤيدي اسرائيل حين قال: عودوا إلى الطاولة الملعونة (يقصد طاولة المفاوضاتفي دعوة صريحة من أجل استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين(10). ان التراخي العربي في دعم الفلسطينيين في المقاومة وفي المفاوضة معا, أراح السياسة الاميركية تجاه إسرائيل ووفر على الادارة عناء تحقيق إنجاز مطلوب في عملية السلام لا يبدو أن العرب يسعون وراءه بشكل جدي في الوقت الراهن. لقد تراجعت القضية الفلسطينية بشكل مثير في الاهتمامات العربية سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي لمصلحة الربيع العربي الذي لم تتضح نتائجه بعد, فيما انتقل الاهتمام الاميركي إلى متابعة احداث هذا الربيع للتغطية ما أمكن على الفشل في عملية السلام التي روجت الولايات المتحدة لها كثيرا.
لا تبدو إسرائيل في الوضع الراهن في دائرة الخطر, لكن هناك احتمال كبير لحصول تغييرات في موازين القوى في المنطقة وفي مواقف الدول العربية منها وبالتالي فإن أمن إسرائيل يبقى هاجسا أميركيا يحتاج إلى تدابير من أجل تبديده يمكن اتخاذها بواسطة الأسطول السادس عند الحاجة.
 استنتاج:
من المرتقب أن تسحب الولايات المتحدة قواتها من أفغانستان بعدما أكملت انسحابها من العراق, وخلال العقد الحالي والعقد القادم يتحقق الحدث الكبير وهو الانسحاب من الخليج (نضع هنا قرار مجلس التعاون الخليجي بالتحول لصيغة الاتحاد في اطار الهواجس من انسحاب اميركي من الخليج في المستقبل) وربما استطاعت إحدى الادارات الاميركية القادمة تحقيق تسوية للنزاع العربي الاسرائيلي, لكن موازين القوى مقبلة على تغيير كبير لغير صالح إسرائيل التي لن يعود لها أن تفرض شروطا تعجيزية مثل التي تفرضها حاليا, وستضطر إلى إقامة سلام بغير شروطها اذا تغيرت سياسة مصر تجاهها. أما إذا تغيرت سياسة الاردن فان انقلابا حقيقيا سوف يحصل في موازين القوى يحشر الدولة العبرية في زاوية ضيقة ويبقى للاسرائيليين خيار البقاء داخل دولة ينتهي فيها تفوقهم العسكري والاقتصادي وبين عودة من يرغب إلى أوروبا وبالنتيجة إنهاء دور ووظيفة إسرائيل في المنطقة


(1)  نظرة عامة على استراتيجية الأمن القومي الأميركية. البيت الأبيض
  http://www.whitehouse.gov/sites/default/files/rss_viewer/national_security_strategy.pdf
(2)  صحيفة واشنطن تايمز   
  http://m.washingtontimes.com/news/2011/dec/14/us-will-leave-iraqi-airspace-clear-for- strategic-i/
(3)  موقع استعلامات العلاقات الأميركية السعودية
  http://www.susris.com/2011/02/14/today-in-history-king-abdulaziz-and-president-roosevelt-meeting/
(4)  Global Security magazine
(5)  موقع شركة بترول ابو ظبي الوطنية
  http://www.adnoc.ae/arabic/content.aspx?newid=306&mid=306
(6)  تقرير إدارة المسح الجيولوجي
  http://www.usgs.gov/newsroom/article.asp?ID=1911
(7)  تقرير إدارة المسح الجيولوجي
  http://pubs.usgs.gov/fs/2011/3113/
(8)  موقع وكالة المخابرات المركزية
  https://www.cia.gov/library/publications/the-world-factbook/rankorder/2178rank.html?countryName=Bahrain&countryCode=ba&regionCode=mde&rank=66#ba
(9)  مجلة فورين بوليسي تشرين الثاني 2011
  http://www.foreignpolicy.com/articles/2011/10/11/americas_pacific_century
(10)  من شبكة «سي. إن. إنكلام وزير الدفاع بانيتا
  http://edition.cnn.com/2011/12/02/world/meast/israel-peace-talks/index.tml

 
Saadeh Facebook  Saadeh Twitter Saadeh Email