سوف يكون على قارئ المشهد العراقي أن يأخذ بفضيلة الصبر، وهو يمضي في الملاحظة. فإنه وقتئد، بإزاء مشهد تحكمه قوانين جيوستراتيجية لا قبل له بها. ذاك ان واقع الحال هو من التركيب والتعقيد، والتداخل، والمفارقة، ما يجعل حاضر العراق ومقبله مفتوحين على اسئلة تأسيسية تتصل بدول الجوار، مثلما تتعلق بتواصل وثيق مع المنظومة الاجمالية التي تحكم العلاقات الدولية.

كل ما في الصورة يجري مجرى التحول والتبدل وعدم الثبات. فلقد أدرك الغرب، بأميركييه وأوروبييه، ناهيك ببقية العالم، حقيقة أن الحرب التي بدأت بقرار لم تنته بقرار.. وأن التاريخ الذي  شُنَّتْ الحرب عليه بوصفه تاريخ صدام حسين، لم ينته بانتهاء الأخير إلى منصة الإعدام. أما الجغرافيا التي قيل انها استبيحت وهُزِمَ أهلها، فلم تلبث حتى عادت تستنتج قوانين جديدة في الصراع على المعنى، وكذلك على التاريخ والسياسة والأمن والاقتصاد والاجتماع.

ترمي هذه الورقة إلى الاقتراب من الوضعية الجيوبوليتيكية للعراق بعد التحرير. وهي تحاول تبعاً لذلك، الإجابة على التساؤلات التي تواجهها نخب المجتمع السياسي العراقي وتتركز حول خريطة التموضع التي ستهتدي بها لصوغ استراتيجياتها، في حمّى التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
ولقد وجدنا أن نؤسس هذا الاقتراب على فرضية مؤداها: أن المؤثر الجيوستراتيجي المحيط بالعراق، هو عامل أساسي في تحديد الاتجاهات والخيارات المتخذة على الصعيد الوطني الداخلي، أو في ميدان العلاقات الدولية.

ومن البديهي أن تأخذ هذه الفرضية وتيرة مضاعفة في مناخ داخلي وإقليمي ودولي، ينطوي على سمة انتقالية شديدة الحساسية والتعقيد. أما صورة المؤثر الخارجي فقد برزت كفاعل حاسم في رسم الهندسة الاجمالية للسياسات المعتمدة داخل دول الإقليم. حتى إذا انفجرت التحولات بعدد من دول المشرق العربي ومغربه مع بداية العام 2001، كانت أدنى إلى اختبارات تطبيقية للمدى الذي بلغه التأثير الجيوستراتيجي على الكيانات الوطنية.
لا ينأى العراق عن هذه القاعدة، بل قد يكون هو الصورة المثالية لجدلية التأثر والتأثير بين الحالة الوطنية، وحالتي الإقليم والعالم. الى درجة أن غراهام فولر وهو أحد أبرز إستراتيجيي الأمن الأميركيين، رأى إلى الوضعية العراقية على أساس كونها حالة استثنائية في منطق الجغرافيا السياسية. وقد جاء كلامه لافتاً في معرض معاينته لجذرية الوطنية العراقية في التعامل مع الاحتلال. ملاحظاً أنّ الشيء الذي لا تستطيع أن تقوم به أية قوة احتلال، هو منع القوانين الجيوبوليتيكية للعراق من القيام بدورها. فهذا البلد (برأيه) لن يتوقف عن كونه العراق حتى بعد رحيل حاكمه الدموي.

ولأن المسألة العراقية هي على هذا القدر من الحيوية، سنرى أيضاً كيف أن كثيرين من علماء الجيوبوليتيك ذهبوا الى وصف احتلال العراق كحادث عالمي مؤسس لأطروحة جديدة في السياسة والأمن، وفي تداعيات الجغرافيا الإستراتيجية على أبواب القرن الحادي والعشرين. 
ما يميز الصورة العراقية بعد التحرير، هو انحكامها الى ثلاثة مؤثرات تدفعها على الدوام نحو مواجهة الاستحقاق الأعظم، وهو القلق المقيم على الأمن القومي واستقرار المجتمع والدولة:
المؤثر الأول: حروب الاستنزاف الدموية المفتوحة على الدولة والمجتمع والوحدة الوطنية.
 الثاني: موجات الاحتواء السياسي المتواترة على النظام، ومؤسسات الحكم. الغاية منها على الجملة، هي الحؤول دون تمكين عراق ما بعد الاحتلال من الاستقلال بموقعيته السيادية في إطار حركة الاستقطاب والتحالفات التي أخذت تحفر مساراتها  المدوية في المديين الإقليمي والدولي.
 الثالث: احتدام دولي يترجم بالصراع على الإقليم، وهو احتدام يعكس في وجه من وجوهه استئنافاً لحرب باردة من نوع جديد.
يسري هذا بموازاة وجهٍ آخر للعراق لا تنفك تظهر معالمه مع تقادم الزمن السياسي وكثافته. من أظهر هذه المعالم، التساؤلات التي تنعقد اليوم حول إمكان تطور موقعية العراق الجيوستراتيجية، ليكون القطب العربي الأكثر أهلية للعب دور محوري في عمليات الاستقطاب وأنظمة الأمن والسياسات الإستراتيجية والاقتصادية في المنطقة...
أما السمات الأساسية لهذه الموقعية المفترضة فلسوف تؤلف بمجملها العناصر المكونة للتصور والتي تتغيا هذه الورقة تظهيرها للنقاش.

   لقد اكتسب العراق صفة جيوستراتيجية محورية، مرتين في خلال أقل من عقد من السنوات.
في المرّة الأولى، لمّا تحوّل كيانُه السياسيُ وجغرافيتُه الوطنية الى ميدان فسيح لحرب عالمية رابعة، بادرت إليها الولايات المتّحدة الأميركية بعدما أقامت الحدّ على نحو نصف قرن من الحرب الباردة.

وفي المرة الثانية، لمّا تحرّر شعبه وكيانه السياسي وأرضه من الاحتلال، وتزامن مع تحوّلات يشير عنوانها الإجمالي الى ولادة زمن جديد من التوازنات والاستقطابات والأحلاف.

في المرّتين كان العراق حاضراً في موازين وحسابات القوى، حتى وهو ينوء بأثقال الاحتلال وتصدّع مؤسسات المجتمع والدولة. ولئن كان هذا الحضور سلبياّ إبّان الاحتلال، فقد ظهر بوضوح بيِّن أن مدىً آخرَ سينفسحُ لشعبه ونخبه مع انكفاء المحتلّين عن ترابه الوطني.
  ولو أنّ من تساؤلٍ إجمالي تدور هذه الورقة مداره، فهو في مدى توفّر التصوّر النظري والإمكان العملي لانتقال العراق من الاستباحة والوهن الى طور السيادة والاقتدار.

وبعبارات أكثر تحديداً: هل يمكن لدولة غادرت للتوّ جحيم الاحتلال أن تتحول الى حاضرة جيوستراتيجية تضطلع كشريك فاعل ومؤثر في الإقليم أوعلى نطاقٍ قاري؟
  لقد انكسف المشهد العراقي بعد زوال الاحتلال عن توفّر معطيات موضوعية تمنح المدَيَيْن الجيوبوليتيكي (الداخلي) والجيوستراتيجي (دول الجوار والنطاق الدولي) القدرة على الحضور والتموضع والتأثير. وبسبب من تلازم المدَيَيْن المذكورين في المقدّمات والآليات والنتائج يبيتُ متعذّراً الحديث عن الجيوستراتيجيا من دون أن تمتلك النخبة الوطنية الحاكمة عوامل القوة التي تمكّنها من صوغ سياسات مؤثرة في محيطها. فبهذا المعنى يترتب عليها في سياق نشاطها الجيوبوليتيكي تحقيق البرنامج الإستراتيجي الوطني، مع سعيٍ موازٍ الى توفير العناصر الضرورية لاتخاذ قرارات بعيدة المدى على مستوى الإقليم استناداً الى القدرات الوطنية. ذاك أنّ من أهم القواعد التي يقوم عليها الواقع الجيوبوليتيكي هي أن ترسم النخب الوطنية الخطط التي ينبغي تطوير الدولة على أساسها، وأن تضع تصوّراً مستقبلياً لحالة هذه الدولة، وكل ذلك في نطاق حراك لا ينقطع في الحياة السياسية الوطنية.

في الحالة العراقية الراهنة ثمّة ما يمكن وصفه بوضعية جيوبوليتيكية في طور التكوين. سوى أنها وضعية حيوية تستمد حركتها من التداخل الوثيق بين حراك الداخل وتحوّلات الأمداء الخارجية. لكن القول بأن الجيوبوليتيكا العراقية لم تنجز بعد، هو قول متّصل بانحكامها لشروط زمن انتقالي شديد التعقيد. فسنرى بوضوح أنّ من أبرز شواهده تركة النظام البائد، وميراث الاحتلال وما أدَّيا إليه من تصدّعات عميقة في بنية المجتمع والدولة. وهو ما سيرتِّب على النخب الوطنية أعباء استثنائية وهي تمضي الى وضع استراتيجيات إعادة البناء في الحقول المختلفة.

ولبيان ما نذهب إليه في معنى الجيوبوليتيك كمصطلح تطبيقي عام، ولحالة العراق بوجه خاص، هو "سياسة الجغرافيا الوطنية" المكان أو بمعنى أكثر دقّة "إدارة المكان" من خلال تفعيل ما يحويه من إمكانات وقدرات، ليصبح قادراً عبر نخبه وقواه الشعبية على صنع وتوليد الحقائق السياسية. وثمة من يرى – وذلك صحيح في المثال العراقي- أن الجيوبوليتيك هي الأرض التي لا تهدأ، فتثير بذلك ما تختزنه من عناصر وقدرات وسياسات تفتح أمام نخبها وساكنيها آفاق التحرير والنمو الداخلي والتطوير الوطني، ويضعها في دائرة التأثير الإستراتيجي.

هكذا تفضي إعادة تشكيل الجيوبوليتيكا العراقية (أي البناء الداخلي للعراق بحدوده المعترف بها دولياً)، الى حقل نقاش عميق ومصيري حول ماهية البلد وهويته في زمن ما بعد الاحتلال.
فلم يعد ثمة ريب لدى النخب الوطنية من وجود مشكل جوهري يتعلّق بالقواعد الجيوبوليتيكية التي قامت عليها الولادة الثالثة للعراق الحديث بعد النظامين الملكي والتوتاليتاري اللذين حكماه على مدار القرن العشرين المنصرم.

عيوب زمن الانتقال
  من بواعث الإشكال الراهن أن "الولادة العراقية الثالثة" لم تكن طبيعية بحال من الأحوال. وهو ما يجعلها في موضع استثنائي يوجب التعاطي معها بطريقة استثنائية. فإذا كان مقتضى الجيوبوليتيكا أن يتوفّر للدولة المعنية ديمقراطية تعددية تعبّر عن نفسها بحيوية مسدّدة بإجماع قومي استراتيجي حول القضايا السيادية، فقد تموضعت حالة العراق قبل وأثناء الاحتلال على خلاف المقتضى المشار إليه. ولذا قد يكون الأمر الذي ينبغي تفعيل النقاش بصدده هو أن الانكفاء الميداني للاحتلال نقل الوضع الى طور جديد سماته أنه فتح الأبواب أمام الاحتمال الفعلي لإعادة تشكيل الجيوبوليتيكا العراقية.

وعلى الرغم مما يكتنف العراق اليوم من عيوب تفترضها مرحلة الانتقال، فإنه يظهر كمنفسح جيوبوليتيكي يزخر بوعود جدية لدور مفترض على مستوى الإقليم. ولنا أن نشير الى صعيدَيْن متوازيَّيْن ومتلازمَيْن:
أولاً- الصعيد الوطني:

أ‌-  قد يبدو ما سبق القول إليه إن الجيوبوليتيكا الوطنية لم تنجز بعد..، قولاً مقبولاً من وجهة نظر الواقعية السياسية، لكن مقتضى الواقعية نفسها يوجب التعامل معها– أي مع الجيوبوليتيكا العراقية بعد الاحتلال- كحقيقة قطعت شوطاً وازناً وسط وضعٍ داخلي ومحيط إقليمي يكتظّ بالتعقيد والتناقض.
ب‌-  تمكُّن النخبة السياسية الحاكمة بمكوناتها المختلفة من استيعاب المنعطف السياسي الأمني الذي تزامن مع انكفاء الاحتلال، وتمكُّنها بالتالي من إرساء مسارات تؤمن الحدود المعقولة من الاستقرار لإدارة العملية السياسية. سوى أنّ ما يجعل هذه المسارات أكثر رسوخاً حسن توظيفها في إطار استراتيجية وطنية تكتسب مشروعيتها عبر المؤسسات المُنْتَخَبَة وتداول السلطة.
ج- إجماع عام على التعاطي مع فكرة الدولة ومنطق عملها كمرجعية حاضنة لسائر القوى السياسية على الرغم من الاختلاف والخلاف حول هذه الفكرة بين القوى والأحزاب والتكتّلات.

ثانياً- صعيد الإقليم والعالم:

أ‌-  شكّل انكفاء الاحتلال بالتوازي مع قدرة مؤسسة الحكم على ملء الفراغ وتظهير القرارات السيادية داخلياً وخارجياً..، علامة فارقة في مناخ عربي وإقليمي بدت فيه السيادات الوطنية عرضة للاختراق والاستباحة. وثمة ما يحملنا على الظن أنّ عراق ما بعد الاحتلال، قد يكون واحداً من بين الدول القليلة في المنطقة والعالم ممن يُفتَح لنخبها السياسية الوطنية، باب الرهان على بناء دولة سيدة مستقلّة، ذات حضور مؤثّر على المستوى الجيوستراتيجي.
ب‌-  إنّ ما تشي به "الجيولوجيا السياسية العربية" من تداعيات وآثار، سيكون من شأنه أن يضاعف من حيوية الرهان السيادي للنخبة العراقية، ولا سيما إذا عرفنا أن الإقليم، فضلاً عن العالم، بدأ يشهد تراجعاً بيِّناً للأحادية القطبية وتحكماتها في قرارات الحرب والسلم والاقتصاد وأنظمة القيم.
ج- ليست لعبة مصادفة أن يتزامن الانسحاب من العراق مع انكفاء الأحادية القطبية. فمثل هذا التزامن يترجم المنطق الداخلي للتّحولات التي عصفت بأميركا مع حقبة المحافظين الجدد، وما تركته هذه الحقبة من نتائج قلقة على مهمة ودور أميركا في العالم، وجوهر هذين "المهمة والدور"، في زمني ما بعد الحرب الباردة والحادي عشر من أيلول/سبتمبر.

  الأسئلة المطروحة على أميركا اليوم كبيرة وخطيرة، بقدر ما هي طبيعية، فالدولة التي أحرزت نصراً مدوّياً على المؤسسة الشيوعية في شرق أوروبا، لا يسعها إلّا أن تملأ الفراغ الذي أحدثه مثل هذا الانتصار، على النطاق العالمي ككلّ. غير أن ملء الفراغ نفسه، فكرة تبعث على الحيرة والقلق، واستيلاد الأسئلة، وإشارات الاستفهام. ذلك أنّ الأمر يتعلق بشروط التكيُّف مع الواقع العالمي الجديد. وهي شروط تُلزم قبل كل شيء وجوب الاعتراف بأنّ النصر كالهزيمة له ثمن. وغالباً ما يكون ثمنُه باهظاً. إذ على المنتصر أن يفي بضريبة تتصاعد باستمرار، كلّما كان له وحده الأمر والنهي في تشكيل أو إعادة تشكيل، منظومة العلاقات الدولية.
  الهواجس التي تمكث النخب الأميركية ضمن دوائرها، تتصل عموماً، بالمهمة التي على الولايات المتّحدة أن تؤديها إزاء نفسها وإزاء العالم في آنٍ واحد.

وفي الهواجس تساؤلات لم يُجَب عنها بعد:
- كيف يمكن لأميركا أن تقود العالم؟ وكيف يمكنها القبول بعالم متعدد الأقطاب؟
- ثم كيف لها أن تتكيَّف وشروط زعامتها الدولية، في عالم زاخر بالتناقضات واللايَقين. وفي مناخ عالمي مملوء بركام هائل من النزاعات، والتوترات، والعصبيات الإيديولوجية، وكذلك الفوضى العارمة في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والأمن؟
ليس من اليسير بلوغ أجوبة وافية عن أسئلة وتساؤلات من هذا النوع. حتى رموز الفكر السياسي الأميركي، سواء أولئك الذين في السلطة بصفة مستشارين للرئيس، أو الذين يعملون بصفة شبه رسمية في مراكز التخطيط الاستراتيجي، فإنهم غير متّفقين في الغالب على سياق واحد من الأجوبة والاحتمالات. بين هؤلاء وأولئك، المتشائم الذي لا يرى لمقبل الدولة الأميركية إلّا ما توقّعه لها المفكّر الاقتصادي بول كينيدي قبل بضع سنوات، في كتابه "صعود وسقوط القوى الكبرى"، وفيه أنّ الإمبراطورية تنهار بعد أن تتعاظم وتقوى، حينما تجاوز التزاماتها حدود قدراتها. وفي تقدير أنصار هذا الرأي، أنَّ الولايات المتّحدة الأميركية اليوم، هي تمثيل نموذجي لنظرية كينيدي. وحجّتهم في ذلك أنّ أميركا سارت في طريق الانحدار، بعدما أصبحت تستنزف نفسها في التزامات عسكرية واقتصادية وسياسية واسعة فوق طاقتها. إنه الطريق نفسه الذي سلكته من قبل الإمبراطوريات الإسبانية والفرنسية والبريطانية والروسية والعثمانية ثم آلت الى الاضمحلال.

ولنا أن نستذكر يوماً ليس ببعيد، ويدلّ على الدرجة القياسية التي أظهرها الخطّ البياني في صعود أميركا وانكفائها في خلال العقدين المنصرمين. فلقد أُعلن عن غزو العراق بالترافق مع الكشف عن استراتيجية إدارة بوش للأمن القومي التي شاعت تحت عبارة "الإستراتيجية الإمبريالية الكبرى الجديدة".
مؤدّى هذه الإستراتيجية كما هو معروف: عزم الولايات المتّحدة الأميركية السيطرة على العالم، وتدمير أي تحدٍّ محتمل لهذه السيطرة، والسماح للأمم المتحدة أن تكون ذات صلة بها، إن هي أقرّت بمضامينها أو العمل بها، وأن يكون غزو العراق هو الاختبار الأوّل للمبدأ الجديد لإستراتيجية الأمن القومي القائم على الضربات الاستباقية.
الإستراتيجية إياها سيطلق عليها المفكّر الفرنسي ف. ب. هويغيه عبارة "الجنون الإستراتيجي". وهذه العبارة هي المعنى الموازي لما أُطلق عليه "الحرب الاستباقية" أو "الحرب اللامتكافئة". لكن مهما كانت تسميتها، فالثابت أنها حرب وُلِدت على أرض العراق، وكانت محمّلة بتغطية فكرية وإعلامية واسعة النطاق عنوانها العام "الحرب ضد الإرهاب". ووفق مبدأ الضربة الاستباقية، يُفترض أن تؤدي هذه الإستراتيجية المجنونة -بحسب هويغيه- وظيفة مثلّثة الأبعاد:

أولاً: استراتيجية ومادية: وتقوم على حرمان الخصم من قواه قبل أن يتمكن من الوصول الى الولايات المتّحدة وذلك عبر تدمير قواعده الخلفية.
ثانياً: رمزية ورادعة: توجيه رسالة قوية للإرهابيين والدكتاتوريين وإفهامهم أنّ الولايات المتّحدة سترد على كل ضربة، وتحبط مشاريعهم وتمنع انتشارها بالخوف من القوة العظمى.
ثالثاً:  أيديولوجية وسياسية: وخلاصتها نشر الديمقراطية في العالم، أو ما يسمى بالحكم الصالح. ذلك يعني  – كما يبيِّن الخبراء -  أنّ ترويع أعداء أميركا ليس سوى مقدّمة  لنشر الحكم الصالح في الكرة الأرضية كلّها وتعميم ثقافة السوق وحقوق الإنسان. فالمشروع يهدف وفق التعبير المعتمد الى جعل العالم مكاناً أكثر أماناً للديمقراطية، وهذا يعني بشكل خاص آمناً للولايات المتحدة. ولقد كانت هذه الإستراتيجية تنتظر في أدراج المحافظين الجدد طيلة أكثر من عقد من الزمن قبل وصولهم الى السلطة. وهي في جوهرها تطابق ما سبق للفيلسوفة الألمانية- الأميركية حنة أرندت Hannah arendt، أن نظّرت له في خلال حرب فيتنام: "يجب أن نجعل من عرض صورة معينة قاعدة لسياسة شاملة، ونعمل ليس على غزو العالم، بل على التفوُّق في معركة تستهدف عقول الناس، وهذا شيءٌ جديد وسط هذا الكم الهائل من الجنون البشري الذي سجّله التاريخ".

لم يؤدِّ التنظير الأميركي على النحو الذي مرّ معنا الى إعادة إنتاج الفضاء العالمي على نصاب الهيمنة الشاملة. فمن المختبر العراقي ستبدأ إرهاصات المراجعة الجذرية لحصاد التورط المجنون الذي بدأت وقائعه المعاصرة بعد الحادي عشر من أيلول 2001. ففي سياق مطالعاته النقدية لسلوك المحافظين الجدد، يلاحظ زبيغنيو بريجنسكي جملة تحولات رئيسية شهدها العالم منذ العام 1990، أي خلال انحسار التنافس الدولي، حيث لم تستطع السياسة الخارجية الأميركية الاستفادة منها أو التفاعل معها على النحو الأفضل، وهي: انهيار الاتحاد السوفياتي، والانتصار الأميركي العسكري في حرب الخليج الأولى في 1991، واتساع حلف "الناتو" شرقاً بانضمام المزيد من دول أوروبا الشرقية ليصبح بذلك أكثر التجمعات الدولية تأثيراً ونفوذاً على الساحة العالمية. ويقارن بريجنسكي بين صورة الولايات المتحدة في العالم عام 1989 عند سقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي، حين كانت صورتها مقبولة في كافة أنحاء العالم بلا منافسة أو كراهية، والوضع الذي استقرت عليه حالياً، حيث باتت مشاعر العداء لواشنطن القاسم المشترك بين معظم شعوب العالم والعالم الإسلامي بصفة خاصة. ويصف حرب العراق بالكارثة الجيوبوليتيكية التي صرفت الانتباه والموارد عن مجابهة الإرهاب في أفغانستان وباكستان، وأدت الى زيادة التهديدات الإرهابية الموجهة ضد الولايات المتّحدة، معتبراً أنه لن يكون للولايات المتحدة ما هو أسوأ من تبنيها سياسة ينظر إليها العالم على أنها امتداد للحقبة الاستعمارية. ثم يخلص بريجنسكي الى أن الموقف المتدهور لوضع الولايات المتحدة في العالم الآن سيحتاج لسنوات من العمل الجاد والخلاق لإعادة الاعتبار لشرعية ومصداقية الولايات المتحدة كقائدة للعالم. وذلك يعني ضرورة أن يتحلى الرئيس الأميركي بمهارات دبلوماسية استراتيجية، وغير تقليدية كي يصوغ سياسة خارجية تتناسب مع التحولات الكبرى.

  تأسيساً على تصوّرٍ كهذا، يستطيع العراق أن يتّخذ لنفسه منطقة وسطى داخل فوضى الاستقطاب، من دون أن يعني ذلك اعتماد سياسة الحياد السلبي في القضايا ذات الطابع المصيري للمنطقة، وخصوصاً في ما يتعلّق بالصراع العربي الإسرائيلي وتحوّلات القضية الفلسطينية، وحروب الاحتلال والغزو والفتن الأهلية والتفتيت الوطني.
 
المنطقة الوسطى وإدارة التعقيد 

قد تكون إستراتيجية إدارة التعقيد هي العنوان الأكثر تناسباً مع ما ذهبنا الى تسميته
بـ "المنطقة الوسطى". إذ من مقتضياتِ استراتيجية كهذه توفير آليات عمل تتّسم بالمرونة في ميدان التوسط لحل المشكلات وتسوية النزاعات. وفي المقابل فإنّ من المقتضيات الاستراتيجية لدولةٍ تعتبر السيادة في رأس أولوياتها، أن تدخل بلا حرج في الحراك الجيوستراتيجي الذي بدا أن الحياد معه هو أمرٌ مستحيل...
  وفقاً لموقعيته الجيوستراتيجية وتكوينه الديمغرافي الديني والثقافي، والاتجاهات المتوقّعة لسياساته الخارجية، يستطيع العراق في إطار مهمة إدارة التعقيد أن يشكل صلة الوصل بين إيران ودول الخليج (وبعض حكومات العالم العربي)، باتجاه خفض منسوب التوتر المزمن بينهما. وعلى الضفة الأخرى من الحيوية المفترضة للموقعية العراقية، فإن من بديهيات التموضع أن تنحو النخبة الحاكمة نحو الدخول في حركة التدافع والصراع، التي تشهدها منطقة الفراغ الإستراتيجي، التي يعيشها عالم ما بعد الواحدية القطبية. ولذا سيكون التحيُّز في اصطفافات نظام الأمن الإقليمي قدر العراق وخياره في المستقبل المنظور. ولقد بدا لافتاً للخبراء كيف أمكن العراق وقد خرج لتوّه من وطأة الاحتلال أن يتّخذ مواقف دقيقة وحساسة وذات طبيعة جيوستراتيجية صريحة الدلالات.

فلقد جرى الحديث ولما يزل عن تشكيل المحور العربي القاري من روسيا والصين الى إيران عبر العراق وسوريا، بالإضافة الى حركات التحرير الوطني في لبنان وفلسطين. وهو محور مفترض يشكل تكتلاً جيوستراتيجياً معادياً للأمركة.

كان عالم الجيوبوليتيكا الروسي "ألكسندر دوغين" يرى أنّ العالم الإسلامي موزّع في نهاية القرن العشرين بين عدّة اتجاهات: الاتجاه الأصولي الثوري الإيراني؛ التيار العلماني التركي؛ التيار العروبي العراقي السوري؛ والتيار السلفي السعودي. وإذ يُسقط صاحب هذه النظرة من حسابه التيارين التركي والسعودي، يروح يؤكد على أهمية الحضور الإيراني والعراقي والسوري، فضلاً عن تيار التحرير والمقاومة، في إقامة حلف قاري مع روسيا والصين في مستهل القرن الحادي والعشرين.
أما لماذا ذهب الى هذا، وقد وضع تصنيفاته تلك قبل تحوّلات المنطقة إثر زلزال 11 أيلول 2001، فلأنه كان يبحث عن مدىً جيوستراتيجي لروسيا ما بعد المرحلة السوفياتية، يمكّنها من مواجهة الحلف الغربي اليورو- أميركي.

مثل هذا التصوّر يكتسب اليوم أهمية استثنائية بعد التحوّل العميق في منظومات الأمن والسياسة، خصوصاً مع الانكفاء الأميركي الغربي عن أرض العراق، وبداية تموضع هذا البلد ضمن منفسح تكثُر فيه احتمالات بناء الدولة ووعود الاستقلال الوطني، ومقومات التأثير في عالم عربي يفتقد الى الحد الأدنى من المرجعية.
لكن السؤال الذي يظل يُطرح في كل اتجاه هو التالي:
  الى أي مسافة من الرهان يمكن للعراق أن يتخذ لنفسه موقعية جيو- ستراتيجية ذات أثر وازن وحاسم في نظام الأمن الإقليمي في الوقت الذي يحتاج فيه ككيان وطني الى هندسةٍ معرفية تعيد إنتاجه على نصابٍ جديد من الوحدة والاقتدار والتأثير؟ 


التفكيك الوطني كعامل إضعاف للجيو- ستراتيجيا

  لا يغرب عن وعي النخب العراقية مسألة الإنتماء الوطني بما هي مسألة تأسيسية لعراق ما بعد الاحتلال. ولي ان امضي الى ما يمضي إليه جمعٌ وازن من النخب، لجهة ان الدولة كناظم دستوري سياسي وأمني تبقى المآل الأخير لأي مشروع يعيد انتاج الهوية الوطنية الجامعة.
فما فعله الاحتلال الأميركي، كمثل ما يفعله أيُّ احتلال، هو تحويل الوضع الجيوپوليتيكي للبلاد الى ما هو أشبه بمستوطنات تتوزعها اعراق وطوائف متناحرة، جاعلاً بنيَتِهِ الديموغرافية أحياء مغلقة تقطنها جماعات مسكونة بالخوف والهلع والتوجس.

  وعلى المستويين النظري والعملي يظل النكوص المجتمعي نحو هويات متعددة مصدراً لصراعات متمادية بين اهل البلد الواحد. وتدل الوقائع على انه من دون الإلتقاء الطوعي حول المشترك الأعلى، اي حول دولة كمرجعية كلّية، لن يكون ثمة نهاية منظورة للاحتراب الناتج عن احتدامها.
  لقد شكّلت حقبة الاحتلال تمثيلاً نموذجياً للنكوص المجتمعي باتجاه الهويات الفرعية. كما أفلح المحتل في عمليات التفكيك على قاعدة الوهن الذي حلَّ على البنية العراقية منذ ما سمي بـ "حرب الخليج الاولى 1991". أما الطور التالي من الغزو الشامل للبلاد في العام 2003 فقد كان من شأنه ان يضاعف من الصدع البنيوي الذي سيضرب الدولة والمجتمع على نحو متوازٍ ومنهجي في الآن عينه.

اذا كانت العمليات التفكيكية للهوية الدينية هي أدنى الى جدارٍ إسمنتي يحول دون تبلور وإنجاز الإطار الجيوبوليتيكي الذي يُفترض ان يؤسس لدولة موحدة ومنسجمة،‌ فمن البديهي ان تكون الغاية القصوى للنخب العراقية هي كسر هذا الجدار من خلال استعادة مفهوم الدولة والمواطنة ووضعه على نصاب جديد.
  ولئن كان ثمة من باب يُفتح على التفاؤل، فهو في ما انتهى اليه سقوط الديكتاتورية ورحيل الاحتلال من حقائق وتبدلات. نشير في هذا الخصوص الى ان تحرر الحالة العراقية الجديدة من الواحدية الايديولوجية، سوف يتيح لمنظومة الحكم الجديدة منفسحاً تكون فيه مركز جاذبية لسائر الايديولوجيات المشاركة في السلطة. كما يمنحها المشروعية الفعلية في ادارة التعقيد الذي يكتظ به المجتمع السياسي العراقي بعد زوال الاحتلال.

ولا تتوقف حسنات التحرر من الواحدية الايديولوجية عند هذا الحد، بل هي تمتد لتعين سلطات الدولة على توفير التواصل بين اقطاب وتكوينات الكثرة العراقية بتنوعاتها القومية والدينية والسياسية والايديولوجية.
  وعلى الرغم مما يظهره السجال الداخلي حيال مساوىء الدستور ومواطن الوهن فيه، فهو يظل إطاراً مرجعياً ضرورياً لتوفير مستلزمات الانتقال الى وضعية مستقرة.
لو اجمع العراقيون على‌ مفهوم موحد للوطنية، فإن لهم ان ينظروا الى‌ «الدولة المدنية» كمرجعية سياسية حقوقية عليا تقدر على ان تحكم بروح القانون وتفصل فيما يختلفون فيه. وهو ما يرتب على‌ النخبة التاريخية في العراق الجديد القيام بمهمة تنظيرية غايتها تظهير فكرة الدولة بوصفها قضية ثقافية ومعرفية وأخلاقية جامعة لمكونات المجتمعين السياسي والمدني على السواء.

تستطيع النخبة التاريخية العراقية لو افلحت في القيام بمهمتها التنظيرية تلك، ان تقدم نموذجاً للدولة والحكم والمجتمع السياسي لم يسبق أن توفَّر له نظير في دولة عربية من قبل. إذ بهذا النموذج الذي ينبغي للنخب العراقية بذل الجهد لإنجازه يمكن أن يسوّى مشكل تكويني مزمن داخل البناء الجيوبولتيكي لمعظم دول المشرق. وهو المشكل المتمثل بصيرورة الدولة معادلاً ونظيراً للحاكم الفرد. وهو الأمر الذي أدّى في ما مضى، فضلاً عما نشهد اليوم، الى فتن وحروب أهلية واستدعاءات للغزو الأجنبي. فالدولة المدنية تؤسس لسياق آخر ولزمن جديد، بحيث لا يعود المدى الوطني الداخلي بمجالاته السياسية والاجتماعية والثقافية والمعرفية مجرد‌ كهف مغلق يلغي التنوع ويقيم الحد على كل غيرية واختلاف.

§  دولة العناية كمقترح للاستثناء العراقي:

«الدولة المدنية» المقترحة كنموذج يقدّمه العراقيون لأنفسهم وللعرب، هي منظومة تنتمي في صفاتها الى طراز يتعدى الشائع في أدبيات الفكر السياسي الكلاسيكي، أو في ما نلاحظه من مداولات بين النخب العربية والاسلامية المعاصرة.
فإذا كانت صورة الجدل الذي ينمو بقوة في الغرب تدور حول وجوب اعادة الاعتبار لدولة الرعاية، فإن ما تفترضه الجيوبوليتيكا العراقية - فضلاً عن تسييل هذا المفهوم بأبعاده وقواعده التقليدية-‌ وجوب فتح الكلام على ما نسميه بــ«دولة العناية». ومثل هذا المقترح نفترض انه يناسب الحاجات التي تستلزمها الوضعية الانتقالية المعقدة التي يعبرها عراق ما بعد الاحتلال.

ان ما يحملنا على هذا المدَّعى هو ملاحظتنا للمهمات ذات الطابع التاريخي الملقاة كحملٍ ثقيلٍ على الانتلجنسيا العراقية المنخرطة في ادارة الدولة ومؤسسات المجتمعين المدني والسياسي.
ما ينبغي قوله في هذا الشأن، إن قيام دولة العناية امرٌ مشروط بتلازم ثلاثة اركان لا مناص من توافرها لعراق حديث وسيد ومقتدر:
الأول: ركن العلم والمعرفة: وهو ما لا مناص من التوفر عليه لدولة تعصف بها رياح مثلثة الاتجاهات: الاستبداد، والاحتلال، وفوضى اعادة البناء. الغاية من هذا الركن بالنسبة للنخبة العراقية هي رسم هندسة معرفية مؤداها ما يلي: إحلال المتحد السياسي المتعدد الاقطاب محل أحادية الاستبداد.. وبسط السيادة الوطنية محل الاحتلال، وصوغ استراتيجيات التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية بمنأى من الاستتباع القسري الى المركز الرأسمالي النيوليبرالي.
اما مقتضى فلاح النخبة في إنجاز اضلاع هذا الركن، فيقوم على إيلاء البحوث العلمية في الميادين المختلفة مقاماً استثنائياً على نحو يؤمِّن قواعد التنمية والاكتفاء الذاتي. كما يقوم على الإفادة من تجارب التنمية الشاملة في البلدان والمجتمعات المتقدمة، وفتح الآفاق على ما تنطوي عليه تلك التجارب من علم مستحدث يفتح آفاق التقدم والتحديث والعصرنة.

الثاني: ركن الأخلاق والقيم: وهو ركنٌ يتصل بعمق في الجواب على سؤال الدولة لجهة ماهيتها وهويتها. وفي الوضعية العراقية يتضاعف الرهان على هذا الركن كعامل حاسم في بلورة الجواب على خاصيَّة مركزية من خصائص الدولة الناجحة. اما القصد من تظهير هذه الخاصيَّة فيكمن في مقدرة النخبة على حسم الجدل السلبي بين الديني والدنيوي. وذلك من خلال تحويل وجهي المعادلة الى طاقة حيوية خلاّقة في إعادة تأسيس الدولة والمجتمع والمؤسسات على نصاب النمو والتكامل والجمع بين الايمان الديني والسياسة المدنية وصناعة الاستراتيجيات الوطنية في عالم ممتلىء بعوامل الاحتدام. وما دمنا في معرض الكلام على دولة العناية، فإن كثيراً من الصفات التي تستلزم جلاء صورتها، سوف تحتل مكاناً اعلى مما نتخيَّل. لعل الصفة الابرز في صفاتها المتعددة هي أنها دولة مدنية بامتياز. فلئن كانت نظرية الدولة تطوي في اعماقها بعداً وجودياً بالنسبة لمواطنيها، فذلك يعني أننا بإزاء قضية فلسفية سياسية مركَّبة. ولذا فإن آليات التفكير التي تضبط سيرورة التحكُّم بها سوف تفضي بنا الى الدخول في لعبة سجالية تجري وقائعها ضمن حقول الميتافيزيقا. فالقيادة الاستراتيجية عندما تجد نفسها انها أمام احد خيارين: الوجود واللاوجود. الحياة والموت، السيادة واللاّسيادة، فإن معايير الرؤية وقواعد النظر سوف تتبدل على الجملة لتستوي على نصاب فوق عادي. فالمسألة النووية مثلا وهي المسألة الأكثر تهديداً لمصير البشرية- لا تتوقف عند حدود السياسة وحسب، بل كذلك وبصورة أعمق وأشمل على الميتافيزيقا كما يبيِّن الاستراتيجي الفرنسي جان غيتون. ذلك أنَّ القضايا العليا المتعلقة بمعنى الحياة، والاختيار بين الكل واللاشيء ليست عَرَضية. كذلك لا تعود الأخلاق والميتافيزيقا معزولة داخل الضمائر الفردية، او موقوفة على الأديان. بل إنها تغادر سرّ الضمائر وتندرج في التجربة، في السياسة والقضايا الدولية‌ وحسابات الاستراتيجيا.

  مثل هذه الإحالة الى المنطقة القصوى من نشاط الفكر الاستراتيجي تبدو لنا ضرورية في معرض الكلام على «دولة العناية». وما ذاك إلا لأن العراق واقع اقليمي ودولي استثنائي، يملي على نُخَبِهِ الوطنية وقواه السياسية أفهاماً وتدبيرات توازي هذا الواقع وتستجيب لضروراته. ولأن دولة العناية تقع في رأس هذه الضرورات، فمن البديهي ان يُنظر اليها على أنها الغاية التي تسعى الكتلة التاريخية العراقية لانجازها كنموذج وطني وجيوستراتيجي وحضاري في الآن عينه.
الثالث: ركن القدرة والتخطيط الاستراتيجي: وهو يجمع بين ركني العلم والاخلاق، ويقوم على حسن توظيف القوى والقدرات الكامنة في المجتمع والدولة. ومن دواعي التفاؤل ان عوامل القدرة في العراق كثيرة.. وهي ذات قيمة استثنائية في تكوين هذا الركن، حيث يمكن اجمالها بما يلي:
‌أ-  العامل الحضاري التاريخي، او ما يسمى بالجغرافيا التاريخية لبلاد ما بين النهرين والأهمية العظمى التي تشكلها في الميادين الحضارية والدينية والاقتصادية والاستراتيجية، وبالتالي أثرها الحاسم في المثلث القاري (آسيا- افريقيا واوروبا المتوسطية).
‌ب-العامل الاقتصادي بشطريه النفطي والمائي.
‌ج-  العامل الجيو- بشري، وغنى التنوع الديمغرافي.
‌د-  العامل السياسي، وما ينطوي عليه في فضاء التعددية الحزبية، وفي انفتاح أفق التنوع السياسي والثقافي على ولادات جديدة لفعاليات المجتمع المدني.
‌ه- العامل العلمي والثقافي في ميادين الابداع والفن والبحوث العلمية.
‌و- العامل الدولي /الاقليمي وحاجته الى منطقة وسطى تشكل مجالاً لإدارة الأزمات والتسويات والحلول. ولسوف تتضاعف الحاجة الى مثل هذه المنطقة الوسطى في مناخ جيوستراتيجي مشحون بمشاريع الحروب وباحتمالات الانفجار كل لحظة. ولعل استقراءً إجمالياً لما مرَّ معنا من خصوصيات جيوستراتيجية لعراق ما بعد الديكتاتورية والاحتلال، سوف يفضي الى إمكان ان يشكل تلك المنطقة الوسطى، من دون ان يعني ذلك التموضع خارج دوائر الاستقطاب والتحيُّز.
  تؤلف هذه الاركان الثلاثة وحدة عمل استراتيجية لنخب الحكم والمعارضة في آنٍ واحد. فهي ترسم للإجماع الوطني حدوده الكبرى والاساسية في جدلية الاتفاق والاختلاف. كما تؤسس لقواعد عقلانية في ادارة التزاحم على السلطة. وأما التلازم بين مكارم الاخلاق وروح القانون في دولة العناية فمن شأنه ان يمنحها القدرة على ضبط النخب ضمن حدود التقوى السياسية في تدبير الشأن العام. إذ عندما يتحقق التلازم المشار اليه يصير المسلك الاخلاقي والعمل السياسي تبعاً لروح القانون واحداً، فلا يعود ثمة انفصال بين الأمرين. في المقابل يؤدي هذا التلازم الى تحرير دولة العناية من إلزامات الدرس «المقدس» للماكيافيللية، الذي غالباً ما يلقي بثقله على الحكام متى يجدون انفسهم في تلك المنطقة الصعبة بين الأخذ بمتساميات القيم، وضرورات الحفاظ على مصالحهم السياسية، او على المصالح الوطنية العليا للبلاد.

  رب قائل إن الأخذ بخيار دولة العناية هو ادنى الى حلم رومانسي كثيراً‌ ما يلتجىء اليه اليائسون من اصلاح دولهم وهي تستغرق في بحر لجيٍّ من أزمات الرأسمالية النيوليبرالية. المسألة تتجاوز مثل هذا التبسيط. ذاك ان دولة العناية وان بدت بعيدة المنال في زمن الاستباحة الذي يعصف بسيادات الدول/ الأمم منذ نهايات القرن العشرين، هي دولة واقعية لو توفرت لها ارادة الاشتغال على مثلث المعرفة والتبصُّر الخُلُقي والتخطيط الاستراتيجي.

وهذه الارادة ممكنة. فعلى الرغم مما تظهره تداعيات ما بعد الاحتلال من سحب قاتمة، يبقى الفضاء مفتوحاً امام نشوء وتبلور كتلة تاريخية مسكونة بشغف المبادرة الى عمل نهضوي يسمو فوق يوميات السلطة ومنازعاتها، ويتطلع الى دولة مدنية عصرية مسددة بالإيثار الوطني ومنطق القوانين.

ولأن دولة العناية تستوجب قيادة اعتنائية مدركة وعالمة وتملك اهلية العقد والحل، فإن من شأنها توليد وانتاج نخب تعمل على شاكلتها، وتلتزم قواعد الاعتناء التي قامت عليها، سواء ما اتصل منها بأنظمة القيم والقوانين الجديدة، او لجهة صوغ الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية الآيلة الى تحقيق العدل في توزيع الثروة الوطنية، والتوازن في الاجتماع السياسي وتداول سلطة الحكم.
  ولذا فالمسار الذي تحفره دولة العناية على صعيدي الحكم والمجتمع، هو مسار ديمقراطي تراحمي تتلاقى فيه ارادة الاعتناء في مقام الغيرة على الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية، بإرادة الاعتراف والمسامحة في مقام العمل السياسي وتدبير الشأن العام. لنأخذ مثلاً يتعلق بالسلم الاهلي. فالكلام على السلام في دولة خارجة من عتمة الاستبداد والاحتلال كالعراق اليوم، يفترض مواجهة إشكالية العنف، والكيفية التي ينبغي ان تتم فيها هذه المواجهة.

اذا كانت الديمقراطية التراحمية هي الطريق المفترض لحالة كالحالة العراقية، فذلك لا يعني قيام هذا النوع من الديمقراطية على السلبية والامتثال لفوضى التدمير والتشظي والاحتراب الاهلي..، فدولة العناية المتأسسة على مثلث القانون والاخلاق والتخطيط، تستطيع اجراء تقدير دقيق بين استراتيجية اللاعنف الآيلة الى تحقيق السلام الوطني وضرورة مواجهة العنف الذي لا يزال يعصف بالكيان الوطني عبر آليات وطرق وكيفيات مختلفة. واذاً، فالديمقراطية التراحمية التي اخذت بها دولة العناية‌ سبيلاً لإدارة تعقيداتها، هي ديمقراطية موصولة بالقدرة على استيلاد الأمن كمكوِّن سيادي يقع في اصل ولادتها. وعلى هذا الاصل السيادي تستطيع دولة العناية اكتشاف البدائل اللاعنفية كاستراتيجية عليا لها، بدلاً من مواجهة العنف بعنف مضاد. وذلك استناداً الى القاعدة الكلية التي تقول ان العنف المفتوح يفضي الى الفوضى المفتوحة. وهكذا فإن الوصول الى فضيلة السلام العام والشامل يفترض بالضرورة احتكار القدرة على ضبط العنف تحت سقف الدستور وروحانية الاعتناء.

بهذا المعنى سيكون في إمكان دولة العناية ان توصي بالعنف المشروع عند الضرورة المطلقة، إما لتقاوم اعتداء دولة ما، او لتكبح امتداد الارهاب الداخلي، او لتواجه جرائم الإفساد والفساد والإضرار بحقوق الجماعات والأفراد. وفضلاً عن ذلك، فإن فكرة «المهابة» بحد ذاتها لا تفارق مبدأ العناية، بل هي في وجه من وجوهها، تحصين لهذا المبدأ الذي ان لم يُعتنَ به، استحال تهويماً ذهنياً لا يعوَّل عليه. ولذا فإن مقتضى العناية بهذا المعنى هو صون القيم والمعايير والاعراف والقوانين التي تمنع العنف قبل وقوعه.
  ان ما تفعله ديمقراطية التراحم في هذه المنزلة بالذات، أنها تقدم نفسها كحاصل لاقتران روح القانون بالتبصر الاخلاقي. ولذلك فهي ديمقراطية تقوم على التنازل الطوعي من جانب قواها المتعددة، الى الدولة الواحدة الجامعة. ولئن ظهر وكأننا بإزاء اطروحة لديمقراطية سلبية، لأنها تدعو الى تنازل كل فريق عن شيء من امتيازاته، فما ذاك في حقيقة الأمر سوى إجراء خلاق انتجته المنظومة السياسية لدولة‌ العناية. فإنها بهذا تحفظ للقوى حضورها وفعالياتها وتصلها بمرجعية الدولة، مثلما تحفظ لهذه المرجعية ديمومتها ورسوخها واقتدارها.
عند هذه الدرجة من الديمقراطية ذات السمة الاعتنائية، تنفتح الآفاق الفعلية للتشكُّل الجيوبوليتيكي الوطني كطور لا بد منه لتحقيق الحضور الجيو- ستراتيجي في الاقليم فضلاً عن المجال الدولي الاوسع.

ان ما تحمله دولة العناية من وعود لجهة البناء الوطني والحضور في الأمداء الجيوستراتيجية، يعود بالتحديد الى قدرتها على التموضع في المنطقة الوسطى التي تشكل ارض اللقاء بين الجيوبوليتيك الوطني، والقدرة على‌ تحويله الى مؤثر اقليمي وقاري ودولي وازن في انظمة الأمن والسياسة والاقتصاد، وبالتالي كشريك في التنمية الحضارية لعالم القرن الحادي والعشرين.



  
Saadeh Facebook  Saadeh Twitter Saadeh Email