الاتصال والانفصال بين الإسلام والعلماني

ليست هذه المقالة لمجرد البحث العلمي والفكري، بل هي أساساً لتشييد مساحة لقاء وتوافق بين التيارات السياسية التي تعتبر نفسها علمانية وتلك التي تعتبر نفسها إسلامية من أجل بناء مستقبل زاهر للعالم العربي، فالملاحظ أنّ كلا الطرفين يعتبر نفسه منفصلاً عن الطرف الآخر، بل نقيض له. ومع أنّ هذا الفصل الحادّ يجد قبولاً واسعاً وربما شاملاً من الطرفين، إلا أنّه باعتقادنا يتناقض فلسفياً مع حقيقة أنّ حركات عديدة من الطرفين الإسلامي والعلماني تلتقي في السعي لتحقيق استقلال حقيقي للعالم العربي، وللنهوض به، ولتحريره من الهيمنة الغربية، بما فيها الفكرية والمعرفية. ووجه التناقض أنّ الفصل بين العلماني والديني هو نتاجٌ خاص للتطور الفكري-الفلسفي والاقتصادي-السياسي في الغرب، وهو ليس عالمياً بالضرورة، فالقبول به قبولٌ أعمى بالمنظومة الفلسفية الغربية، دون نقدها وتمحيصها واختيار الإنساني منها.
هذه المقالة محاولة لتعزيز تيار المقاومة للهيمنة الغربية بتشكيلاتها العسكرية، والاقتصادية-السياسية، والفلسفية- الفكرية، والقيمية-الأخلاقية، وتؤسس لاستقلال معرفي- فلسفي عن المركزية الغربية في الفكر والمعرفة، فهي تنطلق من رفض الثنائيات الغربية التي ترى العالم والشعوب من منظار ثنائية "الأنا" مقابل "الآخر"، وثنائيات "العقل" و"النقل"، "التقدم" و"التنوير" و"الحداثة" للذات الغربية، مقابل "التخلف" و"الظلامية" و"البربرية" لذات الآخر، وحين تُطبق هذه الثنائيات على العالم العربي فإنّها تصوره من خلال ثنائيات "المعتدل" و"المتطرف"، "الإسلامي" و"الوطني"، و"الديني" و"العلماني".  والمقالة ليست من نوع مراجعة الدراسات المنشورة والأفكار الشائعة حول الموضوع، بل هي اقتراح لقواعد أحسبها منطقية، تصلح لأن ينطلق منها عمل سياسي مشترك بين الفريقين يهدف لتحقيق أهدافهما المشتركة. وتأسيساً لأطروحة الاتصال بين العلمانية والإسلام سأضع الأفكار والحجج على شكل مقولات متتابعة.
المقولة الأولى: مثّلت العلمانية الغربية انفصالاً عن سلطة الكنيسة سياسياً وفكرياً، ورفضاً للخضوع للاهوتها وتفسيرها المحدد للدين، ولم يكن المفكرون الغربيون الذين دعوا لهذا الانفصال متماثلين في أطروحاتهم وأفكارهم حول الدين ودوره، فمنهم، مثل ديدييه إيراسم (ولد 1466 م)، من تصور مجتمعاً مسيحياً جيداً يقوم على العقل والتعاليم المسيحية، ومنهم من طرح تفسيراً جديداً للدين ينسجم مع قيم تكريم الإنسان والإقرار بحريته في التفكير وحقه في المعرفة الدينية عن طريق قراءة الكتاب المقدس وفهمه وتفسيره دون الحاجة للكنيسة، وحقه بالإيمان بالاختيار الذاتي، مثل حركة الإصلاح الديني (البروتستانتي)، والتي قام رائدها ومؤسسها مارتن لوثر (1483-1546 م) بترجمة الكتاب المقدس للّغة الألمانية حتى يصبح متوفراً أمام جموع المؤمنين لقراءته؛ وكان الفيلسوف الإنجليزي المعروف جون لوك (1632-1704 م) معروفاً بإيمانه بالله، وقد ذهب إلى ضرورة توفير الحرية للعقائد الدينية، باستثناء الكاثوليكية (دين الكنيسة) والإلحاد "بسبب خطرهما الداهم على استقرار المجتمع". وذهب وليم هملتون (1788- 1856 م) إلى أن نهاية كل تفكير هي الدين، وأن التطور المنطقي للتفكير هو انتهاؤه بهذا الدين. ومن المفكرين الغربيين من نادى بالدين الفطري مثل جان جاك روسو (1712-1778 م) الذي أصدر عام 1762 م كتاب دين الفطرة، وقد اعتبر روسو أن معاصريه أكثر استعداداً لقبول إصلاح ديني منه للمصادقة على تحليلاته السياسية؛ أمّا فولتير (1694-1778 م) فقد اعتبر أن الإيمان بوجود الله يشكل ضرورة اجتماعية لحفظ النظام بين البشر، فبدونه لا يمكن للعلاقات الاجتماعية أن تسود، وحتّى ميكافيللي (1469-1527 م) الذي يعتبر مؤسساً للنزعة العلمانية الغربية، ومعادياً للكنيسة، فإنّه لم ينكر ما للدين من أهمية في ترسيخ السلطة السياسية وشرعنتها؛ ولنا أن نذكر في هذا السياق تيار التأليهيين الذي ظهر في أوروبا في أواخر القرن السابع عشر وانتشر وشاع في القرن الثامن عشر، وكان يدعو إلى الإيمان بالله ونبذ الإلحاد والوثنية، ولكنه حارب الدين بصورته الكنسية، وكشف تناقضات الكتاب المقدس ومخالفته للحقائق العلمية والتاريخية، نافياً عنه صفة الوحي الإلهي المقدس.  ومقابل هؤلاء كان من المفكرين من رفض الدين تماماً، وتبنّى منحاً مادياً خالصاً، مثل الفلاسفة الماديين الفرنسيين: دولباك (1723-1789 م) وبنتام (1748- 1832 م) وجيمس مل (1773-1836 م)، والألمانيان هولباخ (1723-1789 م) وكارل ماركس (1818-1883م).  لذا لا يمكن اعتبار العلمانية الغربية فصلاً للدين "عموماً" عن السياسة، بل هي فصلٌ لدين الكنيسة "خصوصاً" عن السياسة، كما لا يمكن اعتبار كل روافدها الفكرية روافد إلحادية منكرة للدين والإيمان في حياة المجتمع ونظامه السياسي.

المقولة الثانية: أن قراءة التيارات العلمانية العربية للدين الإسلامي، وقراءة التيارات الإسلامية للعلمانية، كانتا مجتزأتين، وغير شموليتين، ومتناقضتين. فالعلمانية العربية أسقطت التصور والفهم والتعريف الغربي للدين الكنسي المسيحي على الإسلام نفسه، وتبنتها كلها دون استيعاب أو إدراك للفرق بين الإسلام بخاصيته الشمولية لكافة أنظمة الحياة، وبين المسيحية المتحورة حول القيم الروحانية والأخلاقية، كما تبنت اعتراضات المفكرين العلمانيين على الكنيسة الغربية، في العالم الغربي، واعتبرتها اعتراضات على الدين، أيَّ دين. كما خلطت القراءة العلمانية للإسلام بين تخلف المسلِم وتسلّط الحاكم واستبداده في مراحل تاريخية معينة، وبين الإسلام نفسه، فاعتبرت الإسلام سبباً للظواهر المَرَضية.  وظهر من المثقفين العلمانيين من سخّر كلَّ جهوده الفكرية لمهاجمة مبادئ الإسلام وشريعته دون استيعاب للفرق بين نصوص الدين نفسه وبين اجتهادات الفقهاء والمفسرين وفهمهم الخاص لهذه النصوص، وبالتالي دون الالتفات لنسبية التفسير وتنوعه من عالمٍ لآخر ومن زمن لآخر؛ وردّد الكثيرون من ناقدي الإسلام الكثير من الإدعاءات الاستشراقية الغربية المتحيزة والتي انبثقت في أساسها الفلسفي  من أطروحات المركزية الغربية، وعمل قائلوها مع أجهزة الاستعمار، وخالفت في أطروحاتها الحقائق المعروفة، ومنها الحقيقة التاريخية بأن نهضة العرب الثقافية والحضارية كانت نابعة من الإسلام. ولا شكّ أنّ هذا الهجوم على الإسلام المتستر بالعلمانية كان سبباً أساسياً في حالة الخصام والانفصال بين التيارات الإسلامية والعلمانية.

مقابل هذه القراءة الظالمة للإسلام يجد المتأمل لمضامين العلمانية في سياقها الغربي أنها تتقاطع بصورة كبيرة مع المفاهيم الإسلامية، وخصوصاً دور العقل والعلم في حياة الإنسان، حيث يشير القرآن في مواضع عديدة لأهمية التعقل والتفكر والتدبر والنظر والبحث، وفي الأحاديث النبوية الشريفة ما يشير لضرورة اتباع العلم التجريبي في الشئون الدنيوية، مثل حديث تأبير النخل. وهناك تقاطع أيضاً في اعتبار كرامة الإنسان وحريته في الاعتقاد والعمل، وحريته في التعبير، أساسية في النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

في الجانب الآخر قرأ الإسلاميون العلمانية في إطار تشكلها الغربي على أنّها لادينية-إلحادية متمردة على الله تعالى ووحيه، وقبلوا فرضية اعتبار مضامينها إنتاجاً غربياً خالصاً، فاصلين لها عن تأثرها بالفكر العالمي والحضارة الإنسانية عموماً. واعتبر الإسلاميون أنّ الدعوة لها في العالم العربي والإسلامي مرتبطة بمشروع الغرب للهيمنة والسيطرة على العرب والمسلمين وثرواتهم، ولم يقرأوا في ظهورها في العالم الغربي دوافعها الخيرة الساعية لسعادة الإنسان الغربي وتحرره الفكري وحقه في البحث والتعبير عن نفسه، وسعيها لازدهاره وتحسن ظروفه الحياتية، وهي دوافع تلتقي مع الإسلام ورسالته، لا بل تقع في جوهر نظرة الرسالة الإسلامية للإنسان.
المقولة الثالثة: العلمانية الغربية كانت نتاجاً لتأثر أوروبا بثقافات العالم الآخر، وأهمها الثقافة العربية-الإسلامية، فلا يمكن فصل التراث الغربي في مرحلة تشكل العلمانية عن التراث العربي-الإسلامي، فلا يوجد فكرٌ غربيٌ منفصلٌ عن الفكر الإنساني عموماً، أو الفكر الإسلامي على وجه الخصوص، وتأثير الإسلام على الغرب معروف في السياقات الفلسفية والعلمية والمدنية، وقد صدرت عشرات الدراسات والأبحاث التي تناولت هذه القضية بالتفصيل. في المقابل، لا يمكن الحديث عن فكر إسلامي خالص، تطور عبر التاريخ بمعزل عن "الآخر" غير المسلم، فهنا أيضاً نُشرت عشرات الدراسات والأبحاث التي تبين انفتاح الفكر الإسلامي على الثقافات الهندية والفارسية واليونانية والرومانية. فلا ينبغي هنا رفض "العلمانية" بصورة كلية لأنها إنتاج غربي، بل ينبغي التدقيق في المضامين التي تحويها، وتتبع جذور هذه المضامين الإنسانية والإسلامية، والحكم عليها عقلياً من جهة نفعها أو إضرارها بالإنسان والمجتمع والوطن. وفي الحقيقة أنّ الأمر ذاته ينطبق على كافة الاتجاهات والرؤى الفلسفية الغربية والعالمية، فباعتقادي أن جوانب من النظرية الماركسية، مثل العدالة الاجتماعية والدفاع عن المحرومين والفقراء، ومنع الاستغلال والظلم الاجتماعي والاقتصادي، تلتقي مع الإسلام، رغم البون الشائع بين الماركسية والإسلام.

المقولة الرابعة: صحيح أنّ تياراً قوياً في الفكر العلماني الغربي حاول تفسير الكون والحياة تفسيراً مادياً خالصاً، وأنّ هذا التيار استند للعلم التجريبي وسطوته وقوته من أجل تبرير الإلحاد ورفض الإيمان بالله تعالى وبالأديان؛ ولكن صحيح أيضاً أنّ هذا التيار تراجع بشكل واضحٍ وكبير، وأنّ أغلب العلماء الغربيين وجدوا الإيمان بالله مبرَّراً علمياً واعتبروه من الحقائق الراسخة.

المقولة الخامسة: هناك خلل في تحديد المفاهيم ومعانيها، وخلل آخر في الميل إلى إضفاء طابع ثابت جوهراني عليها، بدل فهمها في سياقها التاريخي وطبيعتها النسبية، فما هو الدين وما هي العلمانية؟
إن دين الإنسان هو منظومة المبادىء والأفكار والاعتقادات التي يدين لها، والتي يستلهمها ويسترشد بها في سلوكه وعلاقاته. وقد أطلق القرآن الكريم مصطلح الدين على الكفر ذاته، وضمن حرية الإنسان في أن يدين بما يشاء، فـ "لا إكراه في الدين". وعليه فإن مفهوم الدين يشمل بذلك الاعتقاد العلماني، لأن العلمانية هي في النهاية اعتقاد بمبادىء معينة، لكن لا يمكن اعتبار العلمانية ديناً مستنداً إلى الوحي الإلهي مثل الإسلام والمسيحية واليهودية. بل هي دين يستند إلى العقل البشري ولا يُعتبر الوحي مرجعيةً له. ولكن هل يعني هذا انفصالاً تامّاً بين الإسلام والعلمانية؟ 
الجواب قطعاً لا، وذلك لسببين: الأول لأنّ الوحي لا ينفصل عن العقل، فحتى يؤمن الإنسان ويدين بالوحي لا بدّ له من القناعة العقلية بصحة هذا الوحي وأنّه إلهي؛ وأيضاً حتى يفهم الإنسان الوحي وتعاليمه، وينزلها في حياته، ويستنبط منها القوانين، لا بدّ له من العقل. أمّا السبب الثاني فإنّ الإسلام والعلمانية يلتقيان عند اعتماد القانون الطبيعي، فكل القوانين السائدة في الدول العلمانية اليوم تعتبر القانون الطبيعي أساساً من أسسها، وتستنبط منه وتستند إليه، والإسلام يعتبر تشريعاته تشريعات الفطرة، المتلائمة مع الطبيعة البشرية، فلا يُنسب المولود مثلاً لغير أبيه وأمه، ولا تُهدر كرامة الإنسان ولو كان كافراً، أو كان يدين بغير الإسلام، وكلا هذين المبدأين معتَمَدان في القوانين العلمانية.

باختصار فإنّ ما يفرق بين الدين والعلمانية بمفهومهما الشاسع كامن في نوع المبادىء التي يعتقدها الإنسان، (سواء كان متدينًا أم علمانيًا). وهذه المبادىء التي يعتقدها الناس تشترك بشكل كبير، أي أن الإنسان الذي يعتقد بدين إلهي معين يشترك في الاعتقاد بمبادىء كثيرة مع الإنسان الذي يعتقد بدين إلهي آخر، أو لا يعتقد بأي دين (بمفهومه الشاسع). كما أن الناس الذين يتبعون دينًا واحدًا، لا يعتقدون بالمبادىء الدينية بصورة متطابقة تمامًا، فداخل كل ديانة يوجد من يشترك معهم في مبادىء أخرى.
لذلك فقد نجد متدينًا يعتقد بمبادىء يعتقدها علماني ولا يعتقدها علماني آخر أو متدين آخر، فالاعتقادات والمبادئ التي يؤمن بها البشر أعقد من أن نصنفها ضمن ثنائية علماني-ديني.

إذاً فالقضية في التمييز بين الأفكار والمبادىء والاتجاهات والمواقف لا يمكن أن تكون صحيحة إذا اعتمدنا على أساس ثنائية علماني– ديني، بل يجب أن نستند إلى أساس آخر يستطيع أن يفسّر لنا اختلاف الناس وتفرقهم في الآراء، فما هو هذا الأساس؟
إن الاعتقاد هو المحور الأساسي في مسألة التمييز بين الأفكار والمبادىء. والاعتقاد يقوم بالأساس على قناعات فكرية – عقلية، أو مخاوف أو رغبات نفسية إنسانية، فإيمان الإنسان بالعلوم التجريبية واقتناعه واعتقاده بخلاصاتها ونتائجها ناجم عن استنتاجات عقلية خالصة، تعتمد على الحس والمنطق في حين أن الاعتقاد بالأرواح الشريرة ناجم عن مشاعر الخوف والرهبة التي يعيشها حين يواجه المرض أو المصائب والكوارث.

إذاً يجب أن نعتمد البحث في الأساس الذي ينبع من الاعتقاد الإنساني، وهل هو عقلي؛ حسي-تجريبي؛ أو منطقي برهاني؛ أو نفسي ناجم عن مشاعر داخلية.
المقولة الخامسة: هناك مشاكل منهجية يقع فيها الدارسون والمفكرون حين يتطرقون لموضوع الدين. فهم لا يميزون بين دين وآخر، ولا يميزون بين الدين في طوره الأول (عند الوحي به) وفي أطواره اللاحقة المتطورة عن الأصل الأول، ولا يدرسون ما فعله الناس بالدين وكيف فسّروه واختلفوا في فهمه.
لذا لا يمكن الحديث عن تطابق المرحلة الأولى من حياة الجماعة الدينية وأفكارها مع المراحل اللاحقة، ولذا لا يمكن الحديث عن كلية دينية ثابتة وجوهرية لا تتغير، إذ أنه هناك جوهر ثابت يتمثل بالاعتقادات المتعلقة بالله واليوم الآخر وغيرها من القضايا، ويوجد إلى جانبه أشكال ورموز واستنباطات وسلوكيات متغيرة.
إذاً ما يمكن أن نطلق عليه ديناً سماوياً هو الوحي في صورته الأولى، وليس التراث المتراكم حول فهم هذا الوحي في صورته الأولى والأصلية.

العلمانية: هل العلمانية إذاً خروج عن جوهر الدين وصورته الأولى الموحى بها، أم أنها خروج عن تأويلات الناس عبر العصور لأساس الدين، وفهمهم المتغير له؟ 
المقولة السادسة: حين نطرح السؤال هل يمكن فصل الدين عن السياسة؟ فإنّ الجواب هو لا قطعًا، وذلك للأسباب التالية:
أولاً، إن الدين حاجة إنسانية ومنظومة سلوك وقيم عالمية يتبعها البشر في كل مكان، ونجدها في كل مراحل التاريخ البشري وكافة المجتمعات البشرية. والسياسة كذلك نظام أساسي في الحياة الإنسانية، لا يمكن للمجتمع أن يبقى ويستمر وينمو دون وجودها فكراً وممارسة (حكماً). لذا فالدين والسياسة موجودان دائماً في حياة البشرية، ولم ينفصلا أبداً، بل كان الدين دائماً ركناً من أركان الفكر السياسي، وكانت السياسة دائماً ترتكز إلى قوة الدين وأثره في المجتمع.
ثانيًا، تستند السياسة في جزء مهم منها إلى منظومة واسعة من القيم والمفاهيم المتعلقة بالولاء والطاعة والالتزام بمصلحة الجماعة، وهي المنظومة التي لا تنفصل إطلاقًا عن الدين، والمجتمع الذي يفتقد هذه المنظومة لا يمكن له الاستقرار ولا الاستمرار، لذا فالدين في جوهره الأخلاقي والتعبوي مكون أساسي للسياسة، فكراً وحكماً (تطبيقاً)، وتنشئة. ولذا نجد أن هذا الدور كان حاضراً في الفكر السياسي من عهوده الأولى القديمة حتى وقتنا الحاضر، ولا يستثنى من ذلك حتى مفكري النهضة والعلمانية والحداثة الأوروبية كميكافيللي وروسو ومونتسكيو.

أما في مجال الممارسة، فالدين يؤدي دوراً كبيراً في السياسة الخاصّة بالدول الغربية، والتي تدّعي أنها علمانية تفصل الدين عن السياسة، ويكفي أن نتساءل عن الأسس التي قامت عليها إسرائيل وأخذتها هذه الدول التي تدّعي العلمانية. (دور حركة الإصلاح الديني في تقوية التيار العلماني وإضعاف الكنيسة).
المقولة السابعة: لا يصح تقسيم الساحة الفكرية العربية اليوم بين تيارين أحدهما ليبرالي علماني وآخر ديني-إسلامي، فلا ما يطلق عليه التيار العلماني، ولا ما يطلق عليه التيار الإسلامي، ينمُّ في داخله عن جسم موحّد في الفكر والأهداف والسياسات والمواقف، فهناك اختلافات شديدة وعميقة بين تشكلات وقوى موجودة داخل كل تيار من التيارين. لذا فإنّ التقسيم الذي أدعو إلى تبنيه في سياق البحث بالعلاقة بين الإسلام والعلمانية هو بين قوى وتيارات وأحزاب وتشكلات اجتماعية مرتبطة بالخارج الاستعماري/الامبريالي ارتباطاً تبعياً، تفقد من خلاله هويتها العربية وأصالتها الثقافية/الحضارية، وحضورها الوطني ومسئوليتها تجاهه، ومن هذه القوى من هو علماني الشكل والشعار، ومنها ما هو إسلامي الشكل والشعار؛ وبين قوى أخرى مناهضة ومقاومة للهيمنة الغربية، وهي أيضاً تتنوع بين الانتماء العلماني والإسلامي. فالشيخ تاج الدين الحسني الذي تولّى رئاسة الجمهورية السورية تحت الرعاية والكفالة والسيادة الاستعمارية الفرنسية لا يمثل بأي حالٍ من الأحوال حالة دينية-إسلامية، وإن تزيّا بها. وموقف الحسني يتناقض مع تجارب المقاومة المستندة إلى الأساس الإسلامي في العالم العربي، مثل تجارب السنوسي والمهدي وعبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي وعز الدين القسام وغيرهم الكثير. هذه القيادات العلمائية التي وقفت في وجه الاستعمار الفرنسي والبريطاني والإمبريالية الأمريكية والاستعمار الصهيوني. وأيضاً موقف قوى علمانية كثيرة في العالم العربي تدعو للاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها لا يمكن تعميمه على كل القوى العلمانية الأخرى التي تساهم في مواجهة إسرائيل ومقاومة مخططاتها بالمنطقة، مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي مثلاً. فلا يصح أن نقرأ الحركات بناءً على مظهرها وزيّها، بل ينبغي دراستها بناءً على موقفها في معركة الدفاع عن الأمّة والوطن في وجه الغزاة الطامعين.

خلاصة:
إذا كان من الممكن تحديد مفهوم العلمانية كما نشأت وتبلورت في السياق الغربي فهي لا تعدو كونها فلسفة للحياة تتضمن ثلاثة مضامين أساسية: الأول الأخذ بالعلم التجريبي والاعتقاد بنتائجه؛ والثاني اعتماد العقل أساساً للتفكير والإيمان، فما قبله العقل يؤخذ به، وما رفضه فيُرفض؛ أما المضمون الثالث فهو الأخذ بما يحقق المصلحة العامّة، وهذه المضامين الثلاثة لا تتعارض مع الإسلام، فالإسلام حين انتشر في العالم نشر معه المنهج العلمي التجريبي والتفكير الحر وأكد رقي الإنسان بالعقل وأنه تكريم من الله له، كما جعل المصلحة العامّة أساساً في التشريع والسياسة.
لذا فالإسلام يلتقي في الكثير من الأهداف والأسس مع العلمانية، فعلى القوى الوطنية والتقدمية الساعية لنهضة العرب والمسلمين ورفعتهم أن تقف مع القيم الإنسانية والعقلانية التي جاء بها الوحي الإلهي، وأن تميز بين الوحي الخالص والصادق وتبحث عن علاماته ودلالاته العقلية، وبين تفسيراته المتعسفة وغير العقلية؛ وعلى القوى الدينية أن تخرج من دائرة الانغلاق في فهم الدين وأن تراه إنسانيًا أكثر منه محلياً أو حزبياً.



يعمل سميح حمودة محاضراً في دائرة العلوم السياسية بجامعة بيرزيت، وهو محرر مجلة حوليات القدس التي تصدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية برام الله.

مثل كتاب زكريا فايد، العلمانية النشأة والأثر في الشرق والغرب، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، 1988؛ ودراسة د. عبد الرزاق التلحمي "العلمانية مدلولاتها وتطورها"، المنشورة في كتاب: أشقر، محمود سعيد، وزواوي، خالد (محرران)، إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة – مؤتمر بيت المقدس الإسلامي الدولي الثالث، الجزء الأول، دولة فلسطين-وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، القدس-العيزرية، 2012، ص. 135-187.

تقدّم لنا دراسة زكريا فايد سابقة الذكر تلخيصاً مفيداً للمواقف المختلفة تجاه الدين من قبل فلاسفة الغرب ومفكريه منذ القرن الخامس عشر حتى النصف الأول من القرن العشرين.  انظر الصفحات 14-66.

راجع كتاب رمسيس عوض، الإلحاد في الغرب، سينا للنشر، القاهرة، ومؤسسة الإنتشار العربي، بيروت، 1997، ص. 62.

المصدر نفسه، ص. 115.

مثلاً موقف عزيز العظمة من الحدود في الإسلام، كحد السرقة القاضي بقطع يد السارق، واعتباره هذا الحد بربرياً ووحشياً، ويأتي هذا الرأي تناغماً مع الموقف الاستشراقي الغربي من الحدود في الإسلام، ولكنه يفشل في الأخذ بالاعتبار أنّ الحد يطبّق في ظروف الرخاء الاقتصادي وليس العسر والفقر، وأنّ من ضمن مسؤوليات الحاكم وواجبات المجتمع في الإسلام توفير الطعام للفقراء والمحتاجين وعدم إلجائهم للسرقة، وبالتالي فالذي يسرق طمعاً وعدواناً على المجتمع وقيمه وأمن أفراده يستحق هذه العقوبة الرادعة، والتي قررها الله تعالى الذي وهب اليد للإنسان كي يعمل ويستعمر الأرض، لا كي يعيث بها فساداً.

إن التفكير المنهجي والعقلي موجود في نصوص الإسلام الأساسية، القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، ومنها استمد المسلمون في نهضتهم المنهج القويم للبحث والتفكير. يلخص اللواء أحمد عبد الوهاب (التغريب طوفان من الغرب، القاهرة: مكتبة التراث الإسلامي، 1990، ص. 24-27) بعضاً من الملامح الأساسية لما يمكن تسميته بالمنهج القرآني في البحث والتفكير، وهو ما يطلق عليه هو التنوير من مفهوم إسلامي. ففي القرآن الكريم آيات تدل على تحرير البحث الفكري من خلال:
  • التحررمن تقاليد الأولين: كما في الآية 23-24 من سورة الزخرف: "وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (24) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ."
  • التحرر من الهوى: كما في الآية 26 من سورة ص: "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأََرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ،" والآية 29 من سورة الروم:"بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ."
  • إقامة المنهج العلمي على ترك الظن: كما في الآية 28 من سورة النجم: "وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا."
  • وإقامته على ضرورة البرهان: كما في الآية 111 من سورة البقرة: "وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُم إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ،" والآية 75 من سورة القصص: "وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُم فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُون،" والآية 174 من سورة النساء: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَان مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا."
  • تأسيس قواعد صحيحة ووسائل سليمة لتحصيل العلم مثل:
التعلم من ذي علم: كما في الآية 14 من سورة فاطر: "إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير،" والآية 43 من سورة النحل: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون."
اعتماد المشاهدة واستخدام الحواس: كما في الآية 19 من سورة الزخرف: "وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُم سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ،" والآية 101 من سورة يونس: "قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ."
الدراسة والتعليم: كما في الآية 79 من سورة آل عمران: "مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ، "والآية 44 من سورة سبأ: "وَمَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ."
استخدام المنطق: كما في الآية 22 من سورة الأنبياء: "لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ،" والآية 42 من سورة الإسراء: "قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا َلابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً."
استخدام القياس: كما في الآية 29 من سورة الأعراف: "قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،" والآية 27 من سورة الروم: "قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُون.َ"
استخدام الاستنباط: كما في الآية 83 من سورة النساء: "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ اْلأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاّ قَلِيلاً."
البحث والاستكشاف: كما في الآية 20 من سورة العنكبوت: "قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ."
يوضِّح هوارد تيرنر (العلوم عند المسلمين، ترجمة فتح الله الشيخ، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2004) أنّ التعاليم والوصايا الواردة في الأحاديث النبوية تبيِّن المكانة التاريخيّة المهمّة المخصّصة للمعرفة عند المفكرين المسلمين. وتقول التعاليم الإسلامية "بأنّ كل الكون المادي دليل على وجود الله الخالق القابض عليه. وحتّى تدرك الذات الإلهية لا بدّ من دراسة كافة أشكال الخلق، كل الظواهر الموجودة في العالم من حيوانات وخضروات ومعادن وكل ما يتعلق بحياة الإنسان، ومن الطبيعي أن تشمل هذه الدراسة الجنس البشري نفسه. وتبعاً للعقيدة الإسلاميّة الصحيحة، فإنّ هذا الجهد المبذول لإدراك الذات الإلهية هو أمر أساسي للتوصل إلى حياة دنيوية مستقيمة وعادلة كما بيّن الرسول. ومن الصعب تصور واقع أبسط أو أكثر روحانيّة للبحث العلمي من ذلك، ناهيك عن الدراسات الميتافيزيقيّة."

هو حديث صحيح، روي من عدة طرق، ومنها طريق عن عائشة رضي الله عنها، وقد أخرجه أحمد في مسنده (24964)، ومسلم في صحيحه (2363)، كما ورد في كتب أخرى كثيرة، ونصّه: "عن عائشة رضي الله عنها أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى الِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ أَصْوَاتًا، فَقَالَ: "ما هذِهِ الأَصْوَاتُ؟"، قَالُوا: النَّخْلُ يَأْبِرُونَهُ، فَقَالَ: "لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا لَصَلُحَ ذَلِكَ"، فَأَمْسَكُوا، فَلَمْ يَأْبِرُوا عَامَّتَهُ، فَصَارَ شِيصًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى الِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنُكُمْ، وَكَانَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ" ، وفي لفظ مسلم:"فَقَالَ: مَا لِنَخْلِكُمْ، قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ".

توضح دراسة أ. ل. رانيلا الماضي المشترك بين العرب والغرب أصول الآداب الشعبية الغربية، الأرضية المشتركة بين الثقافتين الشعبيتين الإنجليزية والعربية، مؤكداً أن ثقافة الغرب في القرون الوسطى كانت إغريقية لاتينية عربية، وبيّن الكاتب أنّ إسبانيا وصقلية كانتا جسرين للمشروعات الضخمة للترجمة في القرن الثاني عشر التي انتقلت عبرها المعارف العلمية من العرب إلى غرب أوروبا، التي كانت آنذاك في مرحلة ابتدائية. (ص. 11). صدر الكتاب من ترجمة د. نبيلة إبراهيم، ضمن سلسلة كتب عالم المعرفة التي أشرف عليها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، كانون الثاني 1999.

نشير في هذا السياق للعمل الرائد للألمانية زيغريد هونكه شمس العرب تسطع على الغرب "أثر الحضارة العربية في أوروبة"، ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1986.  ولكتاب د. عبد الرحمن بدوي، دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي، وكالة المطبوعات، الكويت، ودار القلم، بيروت، 1979. والكتابان يفصلان تأثير العرب على أوروبة في الرياضيات والفلك والأدب والفلسفة والطب. وبحسب رأي عبد الرحمن بدوي فإنّ "المذاهب الرئيسية والتيارات الكبرى في الفكر الفلسفي الأوروبي في القرون من الثالث عشر حتى السادس عشر تدين بوجودها وآرائها الجديدة الأصيلة للفلاسفة العرب". وهذه هي الفترة التي شكلت أساس نهضة أوروبا.

سورة الكافرون: "قل يا أيها الكافرون....لكم دينكم ولي دين."


"لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ"، سورة البقرة، الآية 256.
Saadeh Facebook  Saadeh Twitter Saadeh Email