تقدم لنا رواية الإنجيل عن توما الرسول، أمثولة ذات دلالة. كان توما من رسل المسيح، وعايشه وعرف منه، وليس بالتواتر، انه سيموت وبعد ثلاثة أيام يقوم من بين الأموات. ولما انتشر خبر قيامة المسيح، وحده توما، لم يصدق. إلى أن أتيح اللقاء به في العلية... ولم يؤمن إلا بعد وضع اصبعه في جرح يده.
الحقيقة الصعبة، التي تحتمل نقاشات متعددة، بحاجة إلى معيار خارجي للتأكد من ثباتها، أن تلمس بالتجربة خير من أن تستنبط بالمنطق.
وعليه، فأين تقيم هذه العروبة؟ انها موجودة كمشروع مكتوب بغزارة التأليف ورغبة الطموح ونضال الطليعيين، إنها موجودة في المشتهى من المآلات، ولكن البحث عنها اليوم، لا يفضي إلى طحين عروبي صالح لأن يتحوّل إلى خبز سياسي ووليمة ثقافية، العروبة المكتوبة، بتياراتها المختلفة، في مكان. والعروبة الواقعية الملموسة، قد لا تكون في أي مكان آخر، اليوم.

من الأدلة ما يلي:
كتب مارك غرافيتس مقالة في جريدة «ليبراسيون» الفرنسية بعد فوز «التضامن» (سوليدارنوسك) في بولونيا وصعود نجم ليشن فاليسا السياسي، يتنبأ فيها بأن القرن الواحد والعشرين سيحتفل بدخول شعوب ودول حلبة التاريخ، بينما سيغيب العرب. لن يحضروا، ولن يقرعوا الباب.
فعلا، بعد ذلك التاريخ، وبعد تساقط الإمبراطورية السوفياتية، حضر العرب دولاً وكيانات، ثم استبدل حضورهم هذا، باستقبال «لعرب»، كجماعات دينية وأثنية وطائفية، ثم أعيد استحضارهم بصفاتهم المنتقاة، متوّجين بما لا يليق بهم.
فقد العرب، القدرة على الحضور، كعرب ومن دون عرب، في السياسة والثقافة والإبداع، أين تكون العروبة؟

II ـ عروبة بلا عرب
أ ـ كان العراق على وشك السقوط، انتفضت «البيئة الشعبية العالمية»، وسيّرت تظاهرات امتدت من سان فرنسيسكو وباريس وروما وميلانو ولندن ومدريد وأثينا، دفاعاً عن العراق. وضد الغزو الاستباقي. لقد كانت تلك المظاهرات عروبية بلا عرب، وإسلامية بلا مسلمين، قالوا No. فيما كانت «البيئة العربية» تبحث عن لام ألف (لا) ولا تجد طريقا لجمعهما معاً، في موقف عروبي/عربي رافض، وهو أقل الإيمان في عقيدة العروبة. لقد أغتال أهل العروبة عروبتهم، وباتوا في العراء.
ب ـ كانت بيروت محاصرة  إثنان وستون يوماً، وبيروت وحيدة. اثنان وستون يوماً من قصف بحري، وبري وجوي، بلا ماء أو خبز أو دواء... كان أرييل شارون هناك، على وشك «صبرا وشاتيلا»، وكان العربي اللبناني، مقاتلا أو قتيلا، وكان العربي الفلسطيني، مقاتلا أو قتيلا، وكان الجيش العربي السوري مقاتلا أو قتيلا.
لم يحضر عرب من أي نوع او صنف او مذهب أو دين أو عرق أو ثقافة او حزب أو يسار أو يمين، في معركة عربية. لا قاتلوا معنا، ولا لملموا قتلانا. لكنهم حضروا إلى مائدة السلام التي مُدّ فسطاطها، لإطلاق مبادرة الأمير فهد (ولي العهد آنذاك) للسلام.
ج ـ وكان لبنان، مراراً، عرضة لاعتداءات واسعة وحروب مستعادة، وقد أقدمت اسرائيل على حرب تدميرية، فقصفت بنى لبنان التحتية، ودمرت ضاحيته، وأصابت جنوبه بالخراب. وكانت المقاومة الإسلامية اللبنانية، تنتهك المستحيل لإنجاز الممكن، ولم يحضر أحد. (دول المواجهة والممانعة قامت بواجبها دعماً وتسليماً واحتضاناً). انتظرنا عربا، فكانوا بائدة، وانتظرنا مسلمين، فكانوا على مذاهب، بعضهم يفتي بخطر التشيّع، وآخرون يفتون بالظروف الموضوعية والشروط الشرعية.
فأي عروبة اليوم، بل، أي إسلام؟
أي ثقافة وأي لغة اليوم؟ بل أي قيم ؟.
ما الذي يربطنا كقوم في أرض ومصالح مشتركة.
ما هويتي؟ أي سمنة لها؟ لماذا ليست بارزة المعالم في المنعطفات العروبية الحاسمة؟
كأننا في حل من هوياتنا الواقعية.
لذا، فتاريخ العروبة مزدوج: عروبة انهزامية وعروبة نضالية. الأولى تشتيت وتفريع وجدل بيزنطوـ اسلامي، والثانية، تجترح الانتماء الفعلي، من خلال ترجمة العروبة نضالا والتزاما بالقضية.
والقضية، أولها فلسطين. دينها، يعلو على قامات التمذهب والتطيف والتغرب والتعولُم. دينها قوميتها، والنضال فيها ومن أجلها، هو العروبة المجسدة .


  .III العروبة: في البدء كانت الوحدة ولم نَتّحِد
العروبة، في الأساس والمنطلق، بدءاً من بذور عصر النهضة الأولى، كانت دعوة لرابطة، تجمع قوما. أو أقواما، يلتقون على انتماء لأرض وحضارة وثقافة ومصالح، لأمة، تستفيق من غفوتها، وتنهض لتكون حرة، موحدة، تليق بالإنسان العربي.
كان شعار العروبة الواقعية آنذاك، الوحدة والتحرر والاستقلال، والاشتراك مع العالم، عبر شخصية عربية حضارية، طاعنة في التاريخ والثقافة والإبداع والفكر.
لقد أبيد مشروع العروبة الأول، في ميسلون. هناك، هزمت الأمة وانتصر سايكس ـ بيكو، بقيادة الجنرال غورو. وتم بعد تلك المعركة الفاصلة، تأسيس كيانات سياسية، مرجعيتها الأولى والأخيرة، سايكس وبيكو. جداً هذه الأمة المنكوبة بتناسل كياناتها، وتشلّع نسيجها إلى فتات من قبائل وعشائر وطوائف ومذاهب وتغير العالم مراراً ولم يتغير هو من حدود سايكس بيكو محروسة ومصانة العروبة النظرية والعروبة اللفظية.
ماتت الدولة العربية الأولى، وألغي مشروع دستورها العروبي العلماني الحديث، واستعيض عنه باستعمار انتدابي، أعقبته دول الشتات القومي، مشرقاً ومغرباً.
حاولت قوى الأمة المناضلة، ان تهزم مشروع التجزئة، عبر ثورات مسلحة اشترك فيها مناضلون من العراق وسوريا وفلسطين ولبنان، من أديان ومذاهب ومشارب متعددة، يلتقون تحت لواء قومي، يحاول مستحيلاً : «استعادة دولة الوحدة والحرية والاستقلال».
ومن جاؤوا بعد ذلك، قصّروا عن الأوائل. استقروا في كيانات وأقطار، تفوقت على الأمة، التي تم تغييبها، إما عبر عروبة الشعار وقطرية الممارسة، أو عبر التدخل الغربي (بتناوب مراكز القوى فيه)، مانعاً أي التقاء بين قطرين.
لا مفر من العودة إلى «الخطيئة الأصلية». السقوط في ميسلون. من هناك، يمكن استشفاف آليات النهوض والسقوط معاً... إذ، مما لم يظهره التاريخ الرسمي، موقف القوى الوحدوية آنذاك من أسلوب المقاومة المسلحة. فقبل معركة ميسلون، ومن خلال منطق القبول بالتنازلات، منعاً للمواجهة، فضلت حكومة فيصل المهادنة على الواجهة، فاضطرت إلى قبول ما لا يقبل من التنازلات. وقد نصت رسالة/ الانذار التي أرسلها غورو إلى فيصل، ضرورة تسريح الجيش السوري آنذاك، بعدما كانت قد حصلت منه على تنازل قضى بالقضاء على المقاومة المسلحة في مناطق عديدة من سوريا ولبنان.
لقد فقدت الوحدة آنذاك، أداتها النضالية الفعالة، التي كانت قادرة، ربما، على منع تنفيذ التجزئة، وعلى إنهاك الانتداب. ولعل، في تاريخ اعلان غورو لدولة لبنان الكبير، الذي أعقب هزيمة ميسلون، خير دليل على أن الكيانات (عدو الوحدة) كانت على أنقاض هزيمة المشروع العربي الوحدوي والاستقلالي.

IV ـ علمانية سابقة لزمننا... قرنا من الزمن
إن مشروع دستور الدولة العربية الأولى، كان علمانياً بنسبة متفوقة... دستور، لم يأتِ في نصه على دين الدولة. اكتفى بتحديد دين الملك، المحدودة صلاحياته الدستورية، بسلطة البرلمان المنتخب مباشرة من الشعب. انما، أباح الدستور للمحاكم الشرعية إدارة الأحوال الشخصية المذهبية، بشرط ان تصدر القوانين الخاصة بها، من المؤتمر (مجلس النواب العتيد).
تكر مواد الدستور (147 مادة) من دون إشارة إلى أي توجه ديني أو محاصصة طائفية أو مذهبية، باستثناء المادة السادسة التي نصت على قسم الملك: «باحترام الشرائع الإلهية وبالأمانة للأمة ومراعاة القانون الأساسي».
وقد نص الدستور على هوية «السوري» (سوريا العروبة) فهي تطلق على كل فرد من أهل المملكة السورية العربية... والسوريون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، والحرية الشخصية مصونة، ولا يجوز التعرض لحرية المعتقدات الدينية، ولا منع الحفلات الدينية لطائفة من الطوائف... والحريات مكفولة إلى جانب حرية الطباعة والزامية التعليم والتربية في المدارس الرسمية والخصوصية على ان يكون البرنامج موحداً وعلى أساس المبادئ الوطنية في جميع المقاطعات السورية. (لا إشارة البتة إلى مبادئ الدين، أو إلى دين الحكومة وأعضائها، أو إلى مذاهب الهيئات الحكومية) كان ذلك الدستور، دستوراً عصرياً حديثاً وعلمانياً. غير أن غورو العلماني، أسقط هذه الحكومة وألغى الدستور وفتح الباب أمام انشاء كيانات على قياس طوائف ومذاهب في كل من سوريا ولبنان، فيما تفردت بريطانيا باعطاء اليهود، دولة في فلسطين.
لبنان الطائفي ولد، عندما دفنت دولة العروبة في دمشق والكيانات القطرية ولدت وتأبدت بعد وأد العروبة في ميسلون.

V ـ لبنان، دولة بلا دين
كنت أعرف من أنا. الكتب دلتني عليَّ. الوعي بالمساواة أشار إليّ أن من معي، مثلي،وأنا مثله. نلتقي في منعطفات الحياة، ونستمر معاً من بدون كثير شرح، كانت القومية سلوكاً وطريقة حياة، تنطلق من انتماء شبه فطري. إلى المجاعة في أرض ما. ويتشعب الانتماء ويتسع، باتساع الأرض والبشر، وهم على تشابك أو تشابه معك.
كنت أعرف أنني إنسان، يفترض ان أعيش مساوياً لسواي في رقعة تدعى وطن. والوطن، يقرأ في كتاب، قبل ان يعاش في التجربة، وكان الوطن، قادماً من تاريخنا القديم والحديث...
وكنت كلما تقدمت في المعرفة، انكر معرفتي لمن أكون... أغمض عليَّ مراراً، ولم أعد أعرف من أنا... وإذا تجرأت مرة وقلت أنا لبناني، فلا أعرف كيف أحدد لبنانيتي. ويشبهني في العجز المدني كثيرون. وإذا قلت أنا عروبي، عجزت أكثر... تشعبت الأمور كثيراً. حملت هويات عديدة، بهويةواحدة لا معلم محدداً وواضحاً لها.
وليس هذا بغريب البتة. فأنا من القارة اللبنانية المترامية الطوائف والهويات والنزعات والعصبيات والثقافات والولاءات والانهيارات والتباعدات والصدامات والحروب... ليس غريباً أن أجهل ما أنا ومن أنا، لأني محاط بالربع العربي الخالي من دليل أو إشارة إلى طريق، يكثر سالكوها إلى هدف، فلا يضيعون في متاهات الديانات والطوائف والعشائر والبطون والأفخاذ والأقوام واللغات، وكلها من أرومات تاريخية ودينية عصبوية انتقائية، ذات فرادة في عنفها الذاتي. كلها أرومات تتسلسل من عتمة ماضينا، لا من أضوائه، لتنجب واقعاً من بابل الهويات، المكتوبة بطعنات الخناجر، وغدر الأفكار.
حيرتي في هويتي لا مبالغة فيها... قصدت من يرشدني في لبنان إلى لبنانيتي (على الأقل). قلت لسماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وقد كان من رعاة اتفاق الطوائف في الطائف: "جئتك أشكوك إليك. فأنت تمنع عني هويتي ولبنانيتي".
أجاب بود وحسم: «يا إبني، كي تكون لبنانياً، معترفاً بك، عليك ان تكون أولا طائفيا، أي منتمياً إلى طائفتك. من طائفتك تعبر إلى الوطن... وأنا، الذي لا طائفة لي، أشعر بأنني داشر ومن الطفّار. أنتقي مواقع لبنانية وأنتمي إليها من خلال قضايا عروبتي. لا أطالب بهوية. هويتي، قيد صناعتي.. النجاح غير مضمون أستمد هويتي من المواقع التي ألتزم بها أو تستدعيني فأستجيب.
فما لبنان هذا؟
لبنان، دولة لا دينية. لا دين للدولة ولا لرئيسها. غير أنها متعددة الآلهة، وهذه، لا وطناً واحداً يكفيها آلهة، تجسّدت في طوائف ومذاهب، وهي، بحكم مصالحها وعصبياتها، عابرة للحدود وللدستور وللجغرافيا.
السنة عاصمتهم إما دمشق، أو القاهرة، أو الرياض.
المسيحيون، عاصمتهم في مكان ما خلف البحار.
الشيعة، وجدوا عاصمتهم خارج الجغرافيا العربية.
دولة لا دينية، تدين بالتعصب والعنصرية... وعليه، فالطوائف لا قضايا لها. تبدل قضاياها مراراً. فمن كان مع فلسطين قد يصبح ضدها، ومن تخلى عنها ذات زمن طائفي، يتولى في زمن آخر قيادة المقاومة والاستشهاد من أجلها.
لا قضية تعلو فوق قضية الطائفية.
دولة علمانية في نصها الدستوري، لولا المادة 95، التي فتحت المجال، لاختراق طائفي كاسح، أطاح بالدستور، وأقام شرعة الغاب الطائفية مكانه، ليصار بعد كل «جولة مفترسة»، إلى اتفاق، يئد شيئا مقيتاً، ولا يلد شيئاً جميلا.
ولأن لبنان متعدد الهويات، وهويته العلمانية نص على ورق، فقد انقسم اللبنانيون سياسياً إبان العدوان الثلاثي على مصر بشحنات طائفية ، ثم انقسموا طائفياً إزاء الوحدة بين سوريا ومصر، ثم انقسموا إزاء نتائج هزيمة حزيران، ثم تناحروا مع وضد الكفاح الفلسطيني المسلح، وتذابحوا حتى اتفاق الطائف... ومنذ ذلك الاتفاق، واللبنانيون، في كل وادٍ سياسي يهيمون.
طوائف صغيرة جداً، ترتكب الكبائر الكبيرة جداً.
هذا في لبنان.
المشهد العراقي، كان بالأمس لبنانياً، السودان نموذجاً، اليمن كذلك ويخلق من الشبه أربعين، أو أقل قليلا، بعدد الكيانات العربية المتعايشة على زغل، في ظل البؤس القومي، والفقر الديموقراطي، وأدقاع العلمانية المزمن.

VI ـ علمانية العروبة
العروبة، عقيدة توحيد، بالمعرفة والوعي والعمل. هي، في النظرية على الأقل، واجبة العلاقة بكافة الجماعات، برغم تبايناتها، المضافة إلى مبدأ الهوية. ومهما كانت تأولات ولادتها ومفاهيمها وعلائقها، لا يمكن النظر إليها، إلا كأداة توحيد، أو على الأقل، كإطار وحدوي، تمارس في الجغرافيا (أرض الأمة والوطن) وتحتضن شعباً بكامله، بتفرعاته المتعددة، فلا تنفي (أي العروبة) جماعة عرقية (لأصولها الاثنية، الحقيقية أو المزعومة) أو جماعة دينية، (أكانت من طوائف متعددة أو مذاهب مختلفة).
العروبة، قسراً، هي إطار توحيدي لكافة العناصر المكونة للاجتماع (أو الاجتماعات) البشرية في أرض معينة تفاعلت معها، في ما بينها، بأشكال متفاوتة، بعضها شديد الثراء وبعضها شديد الخصب، وبعضها إذا استعيد في الذاكرة، فلكي لا يستعاد.
في هذا المنحى التفسيري للعروبة الواقعية، من المفترض الزاما، العمل على الوحدة، بوسائل معرفية ونضالية ورسولية، لإزالة الحواجز الجغرافية والحدود الاصطناعية والتقسيمات الموروثة، كما من المفترض الزاماً أيضا، أن تزيل الفواصل بين الجماعات وتوحد في التعامل معها، على قاعدة المساواة، وإفساح المجال الرحب لضخ خصوصية الجماعات، في عمومية العروبة.
فالعروبة، إن كانت نفياً لقسم من «أبناء بلادها»، فإنها تخون المبدأ الأسمى في الرابطة القومية، وهو الوحدة. وعليه، وتأسيساً على هذا المنطق الوحدوي، تكون العلمانية (دائرة التوحيد الفعلية)، بما هي فصل المجال الديني عن المجال السياسي، أو فصل الدين (بمؤسساته أو عقائده) عن الدولة، (بمؤسساتها وسياساتها وقوانينها وآليات العمل التشريعية، المستندة إلى الديموقراطية.
العلمانية، حاجة عربية أكثر مما هي مبدأ. وهي حاجة لغير الأقليات المسيحية المنتشرة في أصقاع الأمة. ولقد تحولت، بعد استعادة النزاعات السنية الشيعية التاريخية واحلالها المكانة العنفية داخل الفعل السياسي، حاجة لكل من السنة والشيعة... حرب الألف وخمسماية عام، تضع حداً لفصولها الدامية أو الساخنة، عندما تجد العلمانية طريقها إلى جعل المساواة مطلقة، والانتماء أكثر واقعية، وأجدى فعليا... الوريث للعروبة اللاعلمانية، الإسلام السياسي بتفريعاته المتباينة، تكفيراً وزندقة وتسعيراً وحذفاً والغاءً.
تتمة العروبة، علمانيتها وتتمة علمانيتها ديموقراطيتها. لا وحدة من دون علمانية، تحيّد الدين عن السياسة والدولة، وترفعه إلى مكانته العقدية وتفتح له المجال ليتنفس المؤمنون إيمانهم بنقاء يقربهم من سماواتهم ورجاءاتهم الأخروية... فمن دون الغاء الحواجز الفاصلة، اجتماعيا وسياسيا وتربويا وإداريا، بين الجماعات الدينية المختلفة، لا وحدة أبداً...
إذا، العروبة، لا دين لها. نستطيع تنقيتها مما علق بها من موروث ديني، كان مقبولاً، بحكم انتماء جماعات كبيرة من المسلمين السنة لها، قيادة وجماهير. ومراجعة كتاب فيليب خوري، «الانتداب الفرنسي على سورية» تظهر انتماءات القيادات المحلية والقومية في أكثريتها إلى الإسلام، بوجهه السني... كان ذلك طبيعياً، انما، ليس مقبولا، استبقاء تلك الحالة التي نشأت في ظروف عسكرية وسياسية، وكأنها من متممات العروبة، خاصة، وأن العروبة تحولت بعد ذلك إلى حركة عقدية ثقافية حضارية، تطمح إلى لم شمل الجماعات البشرية، المنغرزة تاريخيا وثقافيا واجتماعيا وحضاريا، في تراث هذه الأمة البعيد والوسيط والقريب.
العروبة، إذا تسننت لفترة، وبحكم التموضع السياسي والشعبي، لم يعد جائزا، استبقاءها في أسر هذه الوضعية، بعد تمظهر العروبة، كحركة قومية وحدوية.
إذا تدينت العروبة، اقترفت التكفير السياسي. أصول العروبة ليست دينية فقط، كما انها ليست من صلب دين واحد ومذهب واحد ولغة واحدة... تدين العروبة، يبعد عنها من لا يدين بدينها وهذا أمر طبيعي جداً. لا علاقة للأجنبي في تأسيسه، انما، هو مناسبة وفرصة تتيح للأجنبي العزف على وتر التمييز والاستعلاء والاضطهاد و«حقوق الإنسان».
العروبة المتدينة بدين ما، تحيل من ليس من دينها إلى أقلية، وتضع الناس في سلسلة من الرتب، تبدأ من الدرجة الثانية لتصل إلى ما دون ذلك بكثير.
تفقد العروبة صيغتها الوحدوية، إذا لم تكن علمانية، إنما، لا علمانية بالقوة... دين العلمانية هو الديموقراطية المؤسسة على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات والتساوي أمام القوانين، التي لا تميز بين أصحاب مذهب أو عرق أو دين.
هكذا كانت العروبة في بعض فصولها التاريخية المعاصرة. وينبغي ان تتقدم العروبة، إذا استعادت عافيتها، لتكريس هذا المبدأ، بجرأة وجدارة، من دون ممالأة ظرفية، تقتضيها مرحلة نهوض الإسلام السياسي والنضالي.
ان احترام عقائد الإسلام السياسي في صحوته الجديدة، لا تستدعي البتة، التفريط «بعقائد العروبة» وتحديداً التفريط بالعلمانية. لكسب رضى جماهير «الصحوة الدينية» ما تقتضيه السياسة من تنازلات، يفترض تقديمها من الحقل السياسي، وليس من الحقل المبدئي.
علمانية العروبة، إذا مُسّت، فقدت العروبة قدرتها ومنعتها، وصارت فصيلا هشاً من فصائل «الصحوة الإسلامية» .
كما تعلي الصحوة الإسلامية شأن معتقدها، على العروبة ان تعلي شأن معتقدها العلماني. من دون ذلك، تصبح من جماعة «البدون»، أي لا هوية لها.

ـــ VII جدل مجدٍ عن جنس الملائكة
ندخل في الأساس، وأول الأسئلة: «هل الإسلام دين الأكثرية في البلاد العربية، يجيز العلمانية»؟
الجواب النظري: «يجيز ان شئنا ذلك، ولا يجيز إن شاء غيرنا عكس ذلك».
الأكثرية، نشأت وروجت لمقولة، لا نص عليها، تقول: «الإسلام دين ودولة». وأقلية من المفكرين المسلمين الجادين، عملت على تظهير مقولة معاكسة مفادها: «الإسلام دين بلا دولة»، والدولة كانت عرضا، فرضته الظروف المحيطة بنشأة الإسلام وتطوره.. إضافة إلى خلو النص القرآني من أي إشارة إلى المقولة الأولى.
فبالإمكان، التعامل، على المستوى النظري، بمقولتين متناقضتين، وكل مقولة، لها شرعيتها الفكرية وأصولها الاجتهادية. فهناك من اجتهد وأقر بدين الدولة، وهناك من فكر وأقر عكس ذلك. ومن المفترض ان يستمر النقاش والجدل والفكر والنقد في هذا الميدان، إلى زمن غير قريب وهذا ليس في العيوب.
غير أن الجدل، لم يحسمه الفكر والاجتهاد، ولم يمنعه إقرار المفكرين بصواب مقولة «الإسلام دين ودولة». بل لقد حسم، عبر عمليات ضغط وتشهير وتسفيه وإجراء الحد.
كأن لا انتصار لأي فكرة على فكرة، أو بمقولة على مقولة، في دنيا العرب، إلا بقوة المؤسسة الدينية، التي تفتي بالتكفير والخروج، فتؤلب العامة على ما ليس من خاصتها، لتقف إلى جانبها، استعداداً لمنع الفتنة بإسكات الفكر.
سيستمر النقاش بطيئاً لا جرأة على التحدي، بسبب تطاول المؤسسة الدينية المدعومة بالقبضة الأمنية الرسمية المتواطئة... سيؤكد الإسلاميون، ومن تفقه منهم، بأن العلمانية تنطبق على المسيحية، ولا يجوز تطبيقها على الإسلام، محتجين على ذلك، بدعاوى متهافتة، منها، عدم وجود اكليروس او كهنوت في الإسلام، يتحكم في شؤون الناس.
المؤسسة الدينية في أي دين، أعني في الكهنوت. الكهنوت يمكنه ان يستمر من دون دولة. وبعد زوال الدول الدينية في الغرب، أستمر الكهنوت.
سيستمر النقاش، مع غلبة التيار الذي يقوم باستدعاء النصوص الدينية، لممارسة القمع باستخدامات ملتوية، ولتأكيد الحاكمية في الإسلام، وفقدان هذه الحاكمية في المسيحية، التي «أعطت ما لقيصر لقيصر وما للله لله».
وسيؤكد الإسلاميون موقفهم المناهض للعلمانية، بتفسير نصوص دينية، هي من صنع نخب مفسّرة. أو مجتهدة، لا من صنع إله. فالنص لا يفسر ذاته. هو بحاجة إلى بشر يفسرونه. «فالقرآن خط مسطور بين دفتين لا ينطق. انما ينطقه الرجال»، وفق قول الإمام علي بن أبي طالب. وفي هذا السياق سنجد أنفسنا أمام «طبقات» من علماء الدين والنخب الفقهية، اتخذت لنفسها صفة المرجعية، التي يعود إليها وحدها، البت بالحلال والحرام، والخير والشر، والجائر والممتنع، والممنوع والمسموح، والجائز وغير الجائز، سياسياً وخلقياً واجتماعيا وتربويا... وتقنياً.
هذا «الكهنوت» الإسلامي، شبيه «بالكهنوت» المسيحي، لأنه يشكل المرجعية المعصومة، علماً، ان الكهنوت ليس عاماً في الكنائس كلها، (كالبرتستانتية مثلاً) ولا هو منصوص عليه إنجيلياً.
الكهنوت، هو مؤسسة الدين، وفي كل دين مؤسسات.ولكل كهنوت اجتهاد خاص. لقد اعتصمت الكنيسة بالعصمة، من خلال اجتهاد منها ولها. اتخذت صفة المرجعية المطلقة، فأفتت في احايين سيطرتها بما يجوز ولا يجوز، فحللت المحرّم، وحرّمت المحلل... هي كنيسة من بشر جداً، ونصوص قابلة بأن تكون تحت سلطة الرجال، إذ لا تستطيع ان تخدم نفسها بنفسها.
إن وجود كهنوت مسيحي، مرادف «لوجود طبقة في الإسلام تدعي لنفسها الحق المطلق في التحليل والتحريم، انطلاقا من أن لها وحدها حق معرفة ما يريده الله منا في هذه الدنيا وفي الآخرة». وغالباً ما تتبوأ هذه الطبقة مرتبة القداسة، الموازية للنص المقدس في الكتاب.
لقد امتد نفوذ هذه الطبقة إلى رسم الأطر السياسية للسلطة وكيفية ممارسة الحكم، ووضعت شروطاً صارمة لتنفيذ القوانين والشريعة والحدود التي «نص عليها الكتاب».
من هذا «الكهنوت» الإسلامي، تصدر التشريعات، ومن يخالفها يقع في المحظور، ونبذه واجب... هذا في الحدود الدنيا. وفي ظروف مؤاتية. يتحول النبذ إلى تكفير يعقبه عقاب صارم.
كل تدخل بين الناس والله، كهنوت ما، كل واسطة بين مؤمن وربه، هي اكليروس، أي طبقة نافذة، تحتكر معرفة ما يريده الله. وهذا أشد وطأة من كنيسة رومانية. ادعت العصمة عن الخطأ، بالاعتماد على تدخل الروح القدس، في صياغة قرارات الكنيسة الرومانية.
وفي استنتاج بديهي نصل إلى أن العلمانية ليست مسألة خاصة «بالمجتمعات المسيحية»، بل هي اختصاص بكل دين، تنزع مؤسساته ونخبه إلى التدخل المباشر بحياة الناس، وفرض تفسيراتها المعتقدية على اتباعها، بحجة ورود نص مثبت، أو عن تفسير نص، وفق أهواء متباينة .
إن احتكار الفهم الديني وادعاء العصمة والصواب، أدى الى نشوء أنظمة متسلطة، ترفع العقوبة لواء، والممنوع بيرقا، والحرام عقيدة النص الصامت بين دفتي كتاب، مشاع لمراتب من العقول. فمنهم من يفهمه على ظاهره، ومنهم على باطنه، او بين بين. والفهم مذاهب شتى، وليس من حق احد الادعاء بأنه من الفرقة الناجية.
النص الديني مشاع لمن لا عقل له، كما هو اختصاص لمن كان في رتبة الفلاسفة والفقهاء، ولمن وجد الى فهمه سبيلا، اعتماداً على ما تيسّر له من أدوات معرفية. فللعامة دينها، وللخاصة دينها، وللفقهاء دينهم، وللفلاسفة دينهم، حتى ولو كانوا يقرأون في كتاب واحد.
وعليه، فإن ما وصل إليه الشيخ علي عبد الرازق بخصوص «أصول الحكم» من نتائج، يحوز على شرعية توازي وقد تضاهي وتتفوق على شرعية مخالفيه، ولو كانوا أكثرية متكاثرة، في ظروف التزمت الديني والخوف من الحرية.
لقد اسكت عبد الرازق بالقوة والقمع والعقاب والتهديد، لم يتم إسكاته بالحجة أبداً،السلطة الدينية لم تحاوره . هي تأمر وعلى المؤمنين طاعتها. ومن لم يلتزم، خارج ومارق ومحكوم عليه بالخروج من الجماعة، قسراً.
أختصر: 1) الإسلام دين ودولة، ان شئت. ولك ملء الحق في هذا الاعتقاد.
والإسلام ليس دين ودولة، ان شئت، ذلك ملء الحق في هذا الاعتقاد، واعتبار الإسلام علمانيا، نصاً وممارسة. وكاتب هذه النصوص، على هذا الاعتقاد في الإسلام.
2) في المسيحية كهنوت والكيروس، ليس من صنع الله، بل من صنع البشر.
وحاصل المسألتين، ان المؤسسات في الدينين، مارست أسلوباً في السياسة، لا يشذ في جوهره، عن التطابق. فإذا تغيرت الأسماء، فإن ذلك لا يعني ان الأفعال والممارسات قد اختلفت. فتدخل الدين في المسيحية، قبل بلوغ عصر العلمانية، شبيه بتدخل الإسلام بالدولة... الاختلاف هو في آليات التدخل وأشكاله وأحجامه... وفي النتيجة، كانت العاقبة وخيمة على المسيحيين والمسلمين.
ومع ذلك، فلن ينتهي النقاش... بل، فليستمر، انماء من دون تكفير او قمع او تهويل او محاكم تفتيش.


VIIIـ العلمانية تنتصر بقوتها لا بحجتها
نتيجة للصراع بين سلطة الكنيسة من جهة والبورجوازيات الأوروبية الصاعدة من جهة اخرى، سيقت الكنيسة عنوة الى قبول العلمانية. استعملت الكنيسة، وسائل القمع والتنكيل والحرب، لحراسة «حقها الالهي» ولكنها، أُكرهت على التخلي عن وظيفتها التي ابتدعتها لنفسها، بمبررات دينية جاهزة غب الطلب والحاجة، من خلال نصوص انجيلية او من دون نصوص. لقد ألزمت الكنيسة بتبني الخسارة، فتخلت عن جبروت سياساتها وسلطة قوانينها وتشريعاتها، وانتزعت منها الدولة التي كانت مطية لها، بالقوة وليس بالإقناع.
لقد أقصيت الكنيسة من خلال إلزامها بقبول التعدد الديني. استبدل الحق الالهي بالمزعوم بالحق الشعبي. فالنصوص السياسية والدستورية والتشريعية والقانونية تكتبها نخب منتخبة في صناديق الاقتراع. فالشعب مصدر التشريع، لا سواه. وله الحق في ان يقبل من التفسيرات الدينية ما يناسبه، ويرفض ما يجده عابراً ومنتهي الصلاحية.
لقد انتصر السياسي على الديني، بالفكر والموقف الفلسفي. لم تشهر القوى الصاعدة، فلسفة دينية مناوئة لفلسفة دينية. لقد انتصرت في معركة شديدة التماس مع القوى الاجتماعية الصاعدة، بفكرها المشتق من حاجاتها وتطلعاتها، وما كانت تطمح إليه من حريات.
لم تكن هزيمة الكنيسة، فريدة من نوعها في التاريخ. فقد سبق ان انتصرت المسيحية عبر انتزاعها صفة الديانة الرسمية للامبراطورية البيزنطية بواسطة السلطة، عممت السلطة قرار اعتناق المسيحية، فصارت جزءاً من السلطة ومن سياساتها وتقاليدها، حتى في اللباس الفخم، المذهب والملوكي.
دخل المسيحيون السلطة، معذبين وشهداء ومنبوذين، ولما مارسوها، استغلوا قوتها الى أبعد الحدود، فحولوا اتباع الديانات الاخرى الى شهداء ومنبوذين ومعذبين.
نبذوا كل من ليس مسيحياً، وظلت بيزنطية تحت أمرتهم ألف عام. واتسع نطاق نفوذ بيزنطية مع تبوء الكنيسة صدارة السياسة، حروباً وفتاوى ومصالح... ولم تعد الى رشدها الواقعي، إلا بعد ضربات موجعة تلقتها على مدى عقود.
الكنيسة في أوروبا، كانت على مستوى هزيمتها. عندما كانت تتعرض لخسارة، كانت تهضم خسارتها، وتقترب من انتصارات أخصامها. أي، كانت تتخلى عن كثير من ماضيها، وتعيد تأهيل نفسها بتبني ما يناسب واقعها، وصارت تحضر بحلة دينية جديدة، تتفق مع طبيعة المجتمعات المتجددة... كانت تضرب وتتوجع ثم تتعافى بقوة، وباتت جسماً طبيعيا، في مجتمع تأهل لان يأخذ كل فريق او حزب او دين او جماعة مكانه الطبيعي، فلا يكون نشازاً، ولا يكون منبوذاً.
وهكذا، كان الدين يتعافى عندما يتعافى المجتمع. وأول علامات العافية، إقامة الدين خارج السياسة وخارج الدولة.
أما الإسلام، كما يشير كل من الدكتور جورج قرم والدكتور محمد اركون والروائي والكاتب أمين معلوف، فقد بدأ مسيرة مختلفة عن مسار المسيحية السياسي. بدأ الإسلام مؤمنا وممارساً للتعدد الديني. كان مؤمنا بالشورى والمساواة والعدالة و«لا فرق بين عربي وأعجمي إلا». لقد ظهر في مبادئه انه كوزموبوليتي وعالمي، تصلح مبادئه السامية لكل زمان ومكان، لانها مبادئ الحق الطبيعي، وما تلزمه الفطرة.
الغريب، وتفسيره ممكن، ان هذا الإسلام، الذي نشأ على انفتاح وتعايش، وعلى بروتوكول تسامح فذ، انتهى الى حالات من التمذهب والتكفير والتعصب والنبذ والإقصاء. والى إصرار لا سابقة له، في جعل المستقبل، صورة للماضي، وهذا من المستحيلات، واقرب الى تخريف المنجمين.
إن ديننا اليوم، أيا كان الدين الذي نعتقده، لا يشبه دين أجدادنا وآبائنا، ولن يشبه دين أحفادنا وورثتنا في هذه الدنيا...
الماضي مضى بهم، والحاضر ليس هذا الماضي، والمستقبل لن يكون هذا ولا ذاك. على ان بلوغ هذه القناعة، يحتاج الى أبعد من عملية تفكير. تحتاج الى عملية تغيير، تحدث صدمة كبيرة، لنقل الوعي الرابض على الاطلال، والانقضاض على التقليد وعمليات النسخ والتشويه، لبلوغ أصالة الإبداع والتجديد، من دون اللجوء الى نسخ الصور العلمانية لمجتمعات غربية، لها خصوصياتها وحاجاتها وثقافاتها االمتباينة.

IXـ أتاتورك: فلتذهب الخلافة إلى... فذهبت
هل يمكن عقد مقارنة ما، بين عملية طرد الكنيسة من الدولة، بعملية طرد الخلافة عن السلطة، وجعل الدين مسألة شخصية، بين الإنسان وربه؟ جائزة وجوه الشبه. على ان النموذج التركي، يختلف عن النماذج الأوروبية، المتعددة، بأنه مارس العلمانية كدين سياسي، يقصي  للدين الإسلامي.
لكن احد وجوه الشبه التي افترض اننا بحاجة الى دراستها، ان إقدام كمال أتاتورك على علمنة تركيا، جاء من موقع القوة التي استجمعها، من خلال مسيرة سياسية فذة. فقد استطاع أتاتورك، ان يعيد توحيد الأناضول بعد تجزئتها، وتحرير أقسام منها، بعد احتلالها، والخروج من الهزيمة المبرمة للامبراطورية العثمانية، الى موقع المفاوض القوي مع الدول المنتصرة عليه.
لقد حقق انتصارات أكسبته زعامة وظفها في القضاء على الخلافة، وأوصلته الى فرض العلمانية، كدين مدني للدولة التركية.
كانت الخلافة، التي لم تنقطع عن الحضور تاريخيا، قد هزلت وتخلّفت واهترأت. تطاول عليها الطورانيون قبل الحرب، ترنحت تحت وطأة إصلاحات ابتزازية، ولما بلغ فيها الضعف غايته، انقض عليها أتاتورك وألغاها، ولا تزال ملغاة، في تركيا، وفي غيرها من البلاد العربية والإسلامية.
لقد ألزمت الخلافة الإسلامية بالاختفاء. هزمت. لم تكن المسألة مسألة جدال ونقاش في النصوص الدينية. لم تكن المسألة بحاجة الى فتوى واجتهاد. حاجة تركيا الى دولة حديثة وقوية تفترض إقامة نظام علماني يفصل الدين عن الدولة. من حيث آلية الحدث الأتاتوركي، فإن انقضاضه على الخلافة، يشبه انقضاض البورجوازية على الكنيسة لإلغاء دورها وامتيازاتها وتدخلها في الدولة والسياسة.
عندما كانت العروبة في أوج نشاطها النضالي وزهو تقدمها، وضعت الدين بين قوسين تقريباً. علمنت مشروعها للدولة العربية بلا ضجيج وبلا استفزاز ومن دون معارك. كانت العروبة تختزن مقولات فكر النهضة: الدستور، العلمانية، الديموقراطية، العلم، الوحدة، الحرية، الاستقلال، والسيادة، وقد ظهرت هذه المقولات جلية في كتاباتها وآليات نضالاتها ومشاريع عملها.
غير ان هذه العروبة النضالية ، كانت قد قدمت تنازلات طفيفة كي لا تثير حفيظة العامة، (خزان الحساسيات التي تعزف عليها قيادات مذهبية رجعية)، ونجحت في تجريد السلطات الدينية المتوارثة من شذوذها عن القومية والحرية والحياة الدستورية الموعودة. لقد عزلتها عن مواقع التأثير المباشر وإلجائها الى التقيّة.
لم تفز هذه العروبة في معركة العلمانية، لأنها كانت بحاجة أولا الى انتصار قومي حاسم. فشلت هذه العروبة الاولى، المتجسدة في الثورة العربية، ثم في الثورة السورية الكبرى، من تحقيق نصر على الاستعمار، وكانت فشلت في خوض صراع مصيري في فلسطين، ضد الحركة الصهيونية، فتراجعت إنجازاتها وتخلفت عن خوض معركة الديموقراطية والعلمانية. في ما خلّفه الاستعمار من كيانات قطرية، عصية على الإنجازات الحاسمة.
ولتأكيد ذلك، يمكن مراجعة أدبيات ومواقف الحركات العروبية. كانت مشغولة بمقاومة مشاريع الدول الاستعمارية العلمانية الديموقراطية، ولم تتيسر لها فرصة تطبيق ما كانت قد رست عليه من تصورات لشكل ومضمون الدولة العربية العتيدة، احدى تجسيدات القومية والعروبة.

Xـ الخاتمة غير السعيدة
لم تعد العروبة علمانية. لأنها، لم تعد أداة توحيد. صارت سلاحاً هشاً في يد مجموعات متباعدة، لا تلتقي إلا على عجز وإدمان الشلل... لقد غابت العروبة، بعدما تقاتلت في ما بينها، وبعدما وهنت أمام الخارج، وبعدما فشلت في رفع التحديات ومواجهتها . لقد شاخت العروبة على يد شبابها، وقتلت .
شروط البناء والتقدم كثيرة، أبرزها، تحقيق الانتصار على العدو الخارجي. وكل تقدم آخر، هو في القشرة، لأنه نتاج تبعية، وسياسات مفروضة، وشعوب مغلولة.
ولان العروبة تغيبت، طغت الحركات الدينية الدنيوية في السياسة، وتراجعت المفاهيم العلمانية والديموقراطية والحرية.
وبرغم الحاجة الماسة للعلمانية. فإنها معزولة ومتهمة. بديلها هو الفتن المذهبية الى امتداد الأمة وجوارها.
فهل من عودة؟
ربما...
فهل من حاجة؟
أكيد؟
فمطلوب إذا، اصدار مذكرة جلب بحق العلمانية، لتكون في طليعة المطالب النهضوية والعروبية، خاصة، وانها الرديف اللازم، لحركات التحرر وحركات المقاومة. كل مقاومة مبنية على مذهب او دين، وبرغم تفوقها احيانا على العدو، فإنها تبقى أسيرة الخوف من السقوط في حمى الطائفية ودماء المذاهب.
المزيد من الجرأة من اجل المزيد من العلمانية. بلا خجل ولا خوف من تهمة. علينا ان ننتهي من أكذوبة بلقاء يرميها أهل التدين الكاذب، بأن العلمانية مرادف للإلحاد. العلمانية لا علاقة لها بالإيمانيات، فهناك علمانيون ملحدون، وعلمانيون مؤمنون، وعلمانيون على الصراط المستقيم... لا دين للعلمانية، بل هي، ان شئنا الاجتهاد، أكثر التصاقا بمفهوم التوحيد القائم على مكافحة التمييز وإلغاء الفروقات والاعتراف بالآخر، وتقديم العقل على الببغائية النقلية الإرهابية.
لا خوف من تكفير العلمانيين، لأننا نعيش في ظرف سياسي ـ ديني، يكفر فيه أهل المذاهب أهلهم في المذهب عينه. لا خوف من شتائم المتدينين السياسيين، لانهم يتشاتمون وهم يقرأون نصا واحداً، ويؤمنون بكتاب واحد، وإله واحد.

القارة العربية ملأى بذئاب الفتك الديني والطوائفي... والدماء النازفة تبصم على هذا الكفر بهذا الأسلوب ألانحطاطي.
لا خوف في رفع مطالب علمانية في كل قطر وكيان:
تربية علمانية. برامج تدريب على العلمانية، دعم العلمانية، مدارس علمانية، (معلنة وعلى رؤوس الإشهاد). (لقد امتلأت القارة العربية بالمعاهد الدينية والجامعات. فأين الدعم للمدارس والجامعات العلمانية؟
نحن، كعلمانيين، لنا حقوق في بلادنا، نريدها غير منقوصة.
العلمانية والديموقراطية تأخذان البلاد العربية الى المستقبل، سواها، يعيدها الى الجاهلية، انما، بثياب القرن الواحد والعشرين، وهي بالمناسبة، ثياب موقع عليها: صنع في الغرب.
Saadeh Facebook  Saadeh Twitter Saadeh Email