الاسلام السياسي و الديمقراطية  د. عادل ضاهر 

من الأطروحات التي تتكرّر في أدبيات بعض منظري الحركات الإسلامية الأطروحة المتمثلة بالإدعاء بأن أستهداف إقامة دولة إسلامية لا يتضمن العودة الى مفهوم الدولة الدينية، كما عرفناه في القرون الوسطى المسيحية. إن الدولة الإسلامية أو( "دولة الإسلام"، بحسب وصف راشد الغنوشي)(1)، المزمع إقامتها، لن تكون، في نظر هؤلاء المنظرين، دولة كليانية، بل دولة تُحفظ فيها الحريات والحقوق الفردية، مثلما تحفظ فيها حقوق الأقليات. ولا غرابة أن نجد هؤلاء المنظرين يصفون نظام الشورى الإسلامي المستهدفة إقامته من قبلهم بأنه النظير الإسلامي للديمقراطية الغربية. لا يعني هذا أنهم يذهبون الى حدّ  تبني الديمقراطية في جميع وجوهها وسماتها، بل يعني، على الاقل، أنهم يعتقدون ( أو ربما يتظاهرون بالاعتقاد) بأن النظام الإسلامي المنتظر سيحتضن فكرة التمثيل السياسي، إضافة الى حفاظه على العديد من الحريات الديمقراطية. بيت القصيد في كل هذا أن لاعلمانية هذا النظام لن تشكل عائقاً أمام تزويده ببعد ديمقراطي عاكس لخصوصيات الإسلام والقيم الإسلامية.

من الجدير بالملاحظة هنا ان بعض المفكرين العرب الذين لا تربطهم بالحركات الاسلامية أي رابطة، فلا هم من منظريها ولا من آبائها الروحيين ولا حتى من المتعاطفين معها، يفترضون بصورة مضمرة، على الأقل، إمكان تعايش الديقمراطية مع نظام إسلامي لا علماني. يحضرني هنا، بخاصة أسم المفكر المغربي محمد عابد الجابري. يعتبر الجابري ان المشكلة الأساسية التي يواجهها العرب اليوم هي مشكلة إقامة نظام ديمقراطي، لا إقامة نظام علماني. في الواقع، إنه يعتقد أن مشكلة العلمانية (مشكلة مصطعنة) . انها اختلقت من قبل مفكرين مسيحيين في المشرق، ظناً منهم ان العلمانية هي الضمان لحقوق الأقليات أو لحل مشكلة الحريات والحقوق عموماً(2).

ان خطأهم، في اعتقاد الجابري، كامن في أنهم يحوّلون الأنظار عن الحل الحقيقي والوحيد لمشكلة الحريات والحقوق، الفردية والجمعية، ألا وهو الحل الديمقراطي، متصورين، خطأ، أن التهديد لهذه الحريات والحقوق آت ٍ عن عدم فصل الاسلام عن السياسة. هنا نجد الجابري يماشي الاسلاميين في اعتقادهم بأن عدم وجود طبقة إكليروس في الاسلام يمكن ان تستأثر بالسلطة، كما حصل في الغرب المسيحي، لهو عامل مساعد على التوفيق بين الاسلام السياسي والديمقراطية، او على اقامة نظام إسلامي ديمقراطي(3). من هنا نفهم وصفه مشكلة العلمانية بانها "مشكلة مصطعنة".

ان الموقف الذي سندافع عنه هنا هو أن العلمانية شرط  ضروري للديمقراطية، وان لم يكن كافياً. بمعنى آخر، النظام اللاعلماني نظام غير ديمقراطي بالضرورة، ولا يصح العكس، إذ بعض الانظمة العلمانية هي حتماً أنظمة غير ديمقراطية. والطابع اللاديمقراطي للنظام اللاعلماني، كما سنبيّن، لا يرتبط بصورة من صور هذا النظام دون سواها. إنه غير مقصور، مثلاً ، على الصورة التي يتخذها عندما تستأثر طبقة كطبقة الاكليروس المسيحي بالسلطة. فسواء وجدت طبقة كهذه أو لم توجد، فان لا علمانية النظام لا يمكن أن يتولد عنها، في أفضل حال، سوى ديمقراطية صورية، لا ديمقراطية بالمعنى الجوهري الذي سيتوضح من خلال نقاشنا، ولذلك، وإن كان يمكن للديمقراطية أن تتأسّس في مجتمع إسلامي، كما تأسّست مثلاً في مجتمعات مسيحية أو هندوسية أو بوذية، إلا انها لا يمكن أن تتعايش مع الاسلام السياسي أو ان تنمو وتزدهر في ظل نظام يتخذ من الدين – أي دين – أساساً له. إذن، بعكس ما يعتقدة الجابري ، لا يمكن ان تكون العلمانية "مشكلة مصطنعة" للعربي الحريص على إقامة نظام ديمقراطي حقيقي في ظهرانينا حرص الجابري نفسه على ذلك ، خصوصاً وأن فكرة كون الإسلام ديناً ودولة ما زالت فكرة حيّة في أذهان الكثيرين، وما زال مطلب إقامة دولة إسلامية مطلباً اساسياً لحركات شتى لا يُستهان بقوتها.

لا يعنيني هنا ما اذا كان الإسلام الديني يتضمن أفكاراً أو مبادىء مساندة للديمقراطية، أو ما اذا كان نظام الشورى هو النظير الإسلامي للديمقراطية الغربية، فالمسألة التي تستأثر باهتمامي لا تتعلق بالاسلام في ذاته وبعقيدته الدينية وما يترتب عليها من نتائج سياسية، واجتماعية ، وغير ذلك. فهذه المسألة سبق وعالجناها في مؤلف آخر(*)، حيث بيّنا ان الماهية العقدية لدين سماوي كالإسلام ينتمي الى التقليد الإبراهيمي لا يمكن ان تكون ذات نتائج سياسية واجتماعية من أي نوع. كل ما يمكن قوله من ضمن التقليد الابراهيمي، وعلى اساس التصور النابع منه للألوهة، هو انه اذا كان نظام سياسي معين هو النظام الذي تشير الاعتبارات العقلية الى ضروة تبنيه في ظل شروط معينة، دون سواه من البدائل المتاحة لنا، إذن فلا يعقل ان يكون تبنيه مخالفاً للإرادة الإلهية. فلا يمكن ان يكون عمل ما هو صحيح أو واجب عقلاً شيئاً يمكن لكائن مطلق الكمال ان ينهي عنه. وهذا يعني انه اذا كان اختيار النظام الديمقراطي هو الاختيار الصحيح او الواجب عقلاً، في ظل شروطنا الراهنة، اذن فهو اختيار يتساوق مع الإرادة الالهية بالضرورة. ولكن هذا لا يعني ان ضرورة اختيارهذا النظام مشتقة من الاعتقاد بالله على نحو مباشر او غير مباشر، بل من الاعتبارات العقلية وحدها.

في الواقع، ما نقوله عن اختيار النظام الديمقراطي، لجهة عدم إمكان اشتقاقه من الاعتقاد بالله، يمكن تعميمه على كل الاختيارات الأخرى على المستوى السياسي – الاجتماعي. فمن النافل القول ان اختيارات كهذه مشروطة بأوضاع البشرالمتغيرة وان ما هو صحيح أو واجب عقلاً، بين هذه الاختيارات، هو كذلك، جزئياً، لأن الشروط التي يتمّ في ظلها هذا الاختيار هي ما هي، ولو كانت خلاف ما هي عليه، لما كان هذا الاختيار هو الاختيار الصحيح بالضرورة. أن نفترض، أذن، أن ثمة أمراً مطلقاً موجهاً الينا من السماء بضرورة القيام بهذا الاختيار أو ذاك على المستوى الدنيوي هو ان نفترض ان مصدر هذا الامر يتصرف على نحو تحكمي وعشوائي. والافتراض الاخير، بدون أدنى شك، مخالف للاعتقاد بأن الله بالذات هو مصدر هذا الأمر. فمن المتناقض منطقياً ان نفترض أن كائناً كاملاً على نحو مطلق يمكن ان يتصرف على نحو تحكمي وعشوائي. اذن، إما أمر كهذا ليس أمراً إلهياً او ليس مطلقاً. أن نفترض، اذن، انه امر الهي هو ان نفترض بالضرورة أنه أمر مشروط ، أي ان تنفيذه منوط بتوافر شروط من نوع معين. بصورة أخرى، إن اختيار العمل بموجب هذا الامر هو اختيار صحيح فقط في ظل شروط من نوع معين تتعلق بأوضاع البشر، وظروف حياتهم، ومستوى تطورهم.... الخ. من الواضح، اذن، انه لا يمكن اشتقاق كون هذا الاختيار هو الاختيار الصحيح فقط من الاعتقاد بوجود الله ومن انه يأمرنا بأن نقوم بهذا الاختيار. فنحن نحتاج لأن نعرف، اضافة الى ذلك، ما اذا كانت أوضاع البشر، وظروف حياتهم، ومرحلة تطورهم هي من النوع الذي يوجب هذا الاختيار أو يجعله مستحسناً، على الاقل. اذن، ثمة اعتبارات مستقلة عن الاوامر والنواهي الالهية تتقرّر على أساسها صحة اختباراتنا على المستوى السياسي- الاجتماعي، كائنة ما كانت هذه الاختبارات.


لنترك المسألة الاخيرة جانباً الآن ولنركز على المسألة التي تعنينا بشكل اساسي، ألا وهي المسألة المتعلقة بإمكان التوفيق بين الاسلام السياسي (وليس الاسلام الديني) والديمقراطية. هي يمكن للديمقراطية ان تكون سمة للنظام السياسي المزمع إقامته من قبل الاسلاميين؟ جوابي هو بالنفي، وألخص أسبابه على النحو الآتي. لا يمكن لنظام سياسي ديمقراطي ان يجد تربة صالحة له في الدولة الدينية (اللاعلمانية) أمسيحية كانت ام اسلامية، لأن الدولة الدينية تميل بطبيعتها لأن تكون دولة كليانية (توتاليتارية)، والدولة الكليانية هي تماماً عكس الدولة الديمقراطية. وبما ان الغرض الاساسي للاسلام السياسي هو اقامة دولة اسلامية – اي دولة دينية – اذن لا أمل في ان تكون الديمقراطية سمة للنظام السياسي لهذه الدولة. ولكن، قبل الخوض في المسألة الاخيرة على نحو أكثر تفصيلا، لا بدّ من توضيح مفهوم الدولة الدينية ومفهوم الدولة الكليانية.
في مفهوم الدولة الدينية


في محاولتنا توضيح مفهوم الدولة الدينية، بامكاننا ان نتخذ من الدولة المسيحية القروسطية نموذجاً للتحليل. ولكن لا بدّ من التحذيرمن المزالق المترتبة على  استعمال أي حالة واقعية نموذجاً لاستخلاص نتائج عامة بخصوص ما يشكل السمات الجوهرية للدولة الدينية. فالحالة الواقعية معطاة لنا من خلال سماتها الجوهرية والعارضة، وإلا فهي ليست حالة واقعية بل مثال مجرد. ولذلك، إن لم نتوخَ منتهى الحذر والدقة في الملاحظة، في تفحصنا للحالة الواقعية، سنكون معرّضين للخلط بين العارض والجوهري، فلا يؤدي لجوؤنا الى الحالة الواقعية الى أي فائدة.

إن خلطاً كهذا هو ما نجده في تناول الاسلاميين لطبيعة الدولة المسيحية القروسطية، إذ إنهم خلصوا الى النتيجة أن المكون الجوهري لها هو خضوع مقدراتها لسيطرة رجال الدين من حيث كون الاخيرين يدّعون لأنفسهم دور الوسطاء بين الانسان وخالقه. ومن النتيجة الاخيرة، مضافاً اليها أنه لا مكان في الاسلام لطبقة كطبقة الإكليروس المسيحي، خلصوا الى نتيجة أخرى، ألا وهي أن الدولة الإسلامية المتوخاة ليست من جنس الدولة المسيحية القروسطية.
إن الأغلوطة الكبيرة في المحاجة السابقة تكمن في النظر الى سمة عارضة كالسمة المتعلقة بسيطرة الإكليروس على مقدرات الدولة الدينية في القرون الوسطى على انها المكون الجوهري لمفهوم الدولة الدينية في الغرب المسيحي. ان السؤال الذي له كل الاهمية في السياق الحالي ليس: ما هي الجماعة او الطبقة التي تسيطر على مقدرات الدولة؟ بل: ما هو الاساس الذي تسوغ عليه هذه السيطرة؟ فتدخل الإكليروس في الشؤون السياسية أو جعلهم الكنيسة المرجع الأخير في كل الشؤون الدنيوية، مثلما هي المرجع الاخير في كل الشؤون الدينية، يقوم على أساس اعتقادهم بأن القوانين الإلهية تحيط بالشؤون الدينية والدنيوية على حد سواء وأنهم ( أو كنيستهم ممثلة فيهم) هم الاقرب الى فهم هذه القوانين وما تتضمّنه بخصوص كيفية تدبير شؤوننا الدنيوية. إنهم لم يقدموا أنفسهم، إذن، على أنهم خبراء في شؤون الدنيا على أساس أنهم ذوو مراس طويل في هذ الشؤون أو على أساس أنهم أتقنوا من فنون السياسة والاجتماع ما يفوق ما أتقنه سواهم، بل على أساس أنهم، دون سواهم، يعرفون ما يريده منا الله في دنيانا، مثلما يعرفون ما ينتظرنا في آخرتنا.

إن ثمة عدة افتراضات أساسية هنا، وسأختصرها في ثلاثة. الافتراض الاول هو أن العقيدة الدينية عقيدة شاملة. إنها تحيط بالشؤون الدنيوية مثلما تحيط بالشؤون الأخروية. والافتراض الثاني هو ان القوانين الآلهية، لا الإنسانية، هي مرجعنا الاخير فيما يخصّ كيفية تنظيمنا لشؤوننا الدنيوية. وهذا يعني أنه ينبغي إما اشتقاق القوانين الانسانية من القوانين الالهية أو، في حال تعذر ذلك، ضمان عدم تضارب السابقة مع الاخيرة. والافتراض الثالث والأخير هو أن القوانين الالهية الموحى بها الى الانبياء بحاجة الى تأويل، خصوصاً بالنسبة لما يترتب عليها أو، بالاحرى، لما يترتب على التقيّد بها على المستوى الدنيوي، وأنه ليس متاحاً لجميع البشر ان يحتلوا الوضع المناسب لتأويلها كما ينبغي بل لفئة مختارة منهم. ما هو مهم في هذا الافتراض هو أن كون القوانين الالهية، لا الانسانية، هي مرحعنا الأخير، حتى على المستوى الدنيوي، لا يعني أنه لا دور للانسان في تسيير شؤونه الدنيوية. فعلى الانسان تقع مسؤولية فضّ مكنون القوانين الالهية، كما هي معطاة في النصوص المقدسة، وما يترتب، سياسياً واجتماعياً، على العمل بموجبها، وضمان عدم تضارب القوانين الانسانية مع مستلزماتها. ولكن الانسان الذي تقع عليه هذه المسؤولية ليس أي انسان على الاطلاق، بل انسان تتوافر فيه مواصفات معينة تؤهلة أكثر من سواه لمعرفة ما يترتب على تنقيذ القوانين الإلهية وتضمن عمله على تنفيذها بكل إخلاص وتجرد. لا أهمية هنا، من الوجهة المفهومية، لما اذا كان هذا الانسان في جبة إكليركية ام خلاف ذلك، بل ما له كل الاهمية هو أهلية هذا الانسان لفضّ مكنون القوانين الإلهية واستعداده لجعل مستلزماتها نافذة بدون تردّد او حرج. وهذا، لا شك، ينطوي على موقف نخبوي في المجال السياسي.

ما يتضح في ضوء تحليلنا السابق هو ان طبيعة الدولة الدينية تتحدّد، ليس بكونها تخضع، على نحو مباشر او غير مباشر، لسلطة مؤسسة دينية ما، بل بما هو أعمق من ذلك بكثير، انها تتحدّد بثلاثة مبادىء مترابطة.
المبدأ الاول هو مبدأ شمولية العقيدة الدينية، ولنسمّه من الآن فصاعداً بـ "المبدأ الكلياني". والمبدأ الثاني هو المبدأ الذي يقضي بإخضاع قوانين البشر للقوانين الإلهية، أي مبدأ "الحاكمية لله". والمبدأ الثالث هو مبدأ مركزانية سلطة النخبة. لا شك ان وضع هذه المبادىء الثلاثة موضع التنفيذ قد يقود، في ظل ظروف مؤاتية، الى جعل المؤسسة الدينية ذات نفوذ كبير في المجال السياسي – الاجتماعي، او حتى الى جعل الدولة تحت سيطرتها المباشرة، كما هو الحال في ايران مثلاً. ولكن يبقى حصول شيء كهذا مجرد مظهر لكون الدولة تقوم على المبادىء الثلاثة المذكورة. بمعنى آخر، إنه ليس مكوناً جوهرياً لمفهوم الدولة الدينية، ولا علاقة منطيقة، إذن، بين كون دولةٍ دولة دينية بالمعنى الحق وكونها تخضع لسيطرة المؤسسة الدينية. إن علاقة كهذه، إن وجدت، هي علاقة ضرورية واقعياً او تاريخياً في أفضل حال.

لا ينحرف الاسلاميون مطلقاً عن هذا التصور للدولة الدينية كما يتحدد بالمبادىء الثلاثة المذكورة. هذا يصدق على الذين لا يظهرون عداء للديمقراطية، مثل الغنوشي والترابي، مثلما يصدق على المعادين لها، مثل سيد قطب وأنور الجندي. انهم جميعهم ينطلقون من فكرة ان الاسلام دين ودولة، وهي الفكرة التي تنطوي على المبدأ الاول، المبدأ الكلياني. ليست علاقة الاسلام بالدولة أو السياسة، في نظرهم، مجرد علاقة تاريخية أملتها ظروف نشأة الاسلام والصراعات التي خاضها، بل إنها، كما يصرّ هؤلاء الاسلاميون علاقة ضرورية بالمعنى المنطقي أو المفهومي. لا معنى، في نظرهم، للفصل، كما أفعل أنا او محمد أحمد خلف الله أو علي عبد الرازق، بين الاسلام السياسي والاسلام الدني. انهما وجهان لعملة واحدة. وهذا لا يعني لهم فقط أن المسلم ملزم، باعتباره مسلماً، بأن يقيم مواقفه من قضايا السياسة، والاجتماع، والقانون على أساس اعتبارات مستمدة من تعاليم الاسلام، بل ان يسعى الى اقامة الدولة على اساس تعاليم الاسلام. باختصار، إقامة دولة اسلامية هي واجب ديني.

ان الالتزام بالموقف الاخير نابع بالضرورة من التزامهم بالمبدأ الثاني، مبدأ الحاكمية لله. فلا شك ان سيد قطب كان ينطق بلسان جميع الاسلاميين عندما أعلن، كما اعلن من قبله أبو علي المودودي، "إن الحاكمية تأتي في رأس الخصائص الإلهية، أي حق الحاكمية المطلقة الذي ينشأ عنه حق التشريع للعباد، وحق وضع المناهج لحياتهم، وحق وضع القيم التي تقوم عليها هذه الحياة"(4). والحاكمية، في نظره، هي عكس الجاهلية . وهذا يعني له ان الجاهلية هي بالضرورة الخضوع لحكم البشر، لأن الحاكمية هي، مفهومياً، حكم الله.
ان فكرة كون الحاكمية هي لله وحده واضحة ايضاً في كتابات الخميني، وأنور الجندي، وحسن البنا، وسواهم. يقول الخميني " ان الحكم الذي يقوم على التوحيد ينطلق من مبدأ أوحد هو القانون الآلهي. الحكم هو حكم الله، والانبياء لا يفعلون شيئاً سوى تنفيذ القانون الالهي"(5). ويذهب أنو الجندي الى الاعتقاد ان الخليفة وال ٍ يتمثل ارادة الله بدراسته الشريعة وفهمه لها، يعاونه في ذلك علماء الدين وأعيان الامة بالنصح والشورى. وفي جمع الخليفة للسلطتين، الروحية والزمنية، فهو إنما يمثل ارادة الله، وبالتالي، لا يفعل أكثر من تنفيذ القانون الالهي(6). ليست الفكرة الاساسية، هنا، كما يهيء لنا أنور الجندي، ان حاكمية الله لا تتم الا عن طريق وال ٍ يجمع السلطتين، الروحية والزمنية. فسواء أخذ الاسلامي بفكرة الخلافة او بفكرة سواها، فان المسألة الاساسية له هي ان الله وحده له الحق في حكم البشر وان الحاكم الزمني، أخليفة كان ام خلاف ذلك، لا يفعل أو، بالاحرى، لا يجوز ان يفعل أكثر من تمثيل ارادة الله. ان واجبه، كما ينبّهنا حسن البنا، هو الوقوف عند الحدود الربانية النبوية فلا يقيّدنا بغير ما يقيدنا به الله(7).

من الواضح ان التزام الاسلاميين بالمبدأ الثاني يفرض تحويل الإلزام السياسي الى إلزام ديني. فاذا كانت الحاكمية، مفهومياً، هي لله وحده، إذن الانسان غير ملزم بأن يطيع الحاكم الزمني إلا إذا كان يمثل ارادة الله ويعمل فقط على تنفيذ القانون الالهي. اذن، إلزامه بالطاعة للحاكم الزمني مستمد من كونه ملزماً بأن يطيع خالقه. وهذا ما يفسّر الطابع المطلق للالزام السياسي في الدولة الدينية . فلا يصدق على الدولة مفهوم الدولة الدينية إلا اذا كان الحاكم الزمني يحكم نيابة عن الله. وما دام الانسان ملزماً بان يطيع خالقه على نحو مطلق، أي، كما يقول البنا، "من غير تردد ولا مراجعة ولا شك ولا حرج". اذن الطابع المطلق لهذه الطاعة لا بد ان ينتقل في الدولة الدينية الى طاعة الانسان للحاكم. لا يصبح الانسان في حلّ من الالتزام بطاعة الحاكم الا اذا رفض الاخير ان يحكم وفق ما يقتضيه القانون  الالهي، اذ هو، بذلك، يلغي الطابع الديني للدولة بتقويضه أهم مبادئها، أي مبدأ الحاكمية لله.

يستمد الحاكم الزمني شرعيته، اذن، في الدولة الدينية من كونه يحكم باسم الله او نيابة عن الله. انها مسألة عارضة تماماً أن من يحكم باسم الله هو من طبقة الاكليروس او من طبقة سواها. ان طبيعة الدولة الدينية هي هي، بغض النظر عمن يدّعي الحكم باسم الله: انها دولة لا أساس فيها للشرعية سوى تمثيل اراداة الله، ولا معيار للإلزام السياسي سوى الإلزام الديني. وهذا يعني أنه ما دام الحكم شرعياً، فان الالتزام بطاعة الحاكم هو التزام مطلق. وما دامت المسألة الجوهرية في الدولة الاسلامية او دولة الاسلام هي تمثيل الحاكم او المشرّع لإرادة الله او ضمانه عدم تضارب القانون الانساني مع القانون الالهي، اذن من المحتوم ان تقوم هذه الدولة على المبدأ الثالث، مبدأ مركزانية سلطة النخبة. ليس جميع البشر في وضع يسمح لهم بأن يعرفوا ما هو مضمون القانون الالهي وما يترتب عليه عملياً، أي ما يترتب على تطبيقه في المجال السياسي والقانوني. اضافة الى ذلك، لا يكفي العلم بالقانون الالهي وما يترتب على تطبيقه من نتائج، بل ثمة شرط آخر لا يمكن ان تقوم للدولة الاسلامية قائمة بدون توافره، الا وهو التزام الحاكم بتنفيذ هذا القانون باخلاص وتجرد. هذا الشرط ، مثله مثل الشرط السابق (شرط العلم بالقانون الالهي)، لا يمكن ان يتوافر الا في فئة مختارة من البشر. لا يجتمع هذان الشرطان بصورة تامة الا في شخص نبي. ولكن في غياب الانبياء، الخيار الوحيد أمامنا هو ان نجعل الحكم والتشريع من شأن نخبة من البشر تقترب، جميعاً، من جمع هذين الشرطين في ذاتها. لا يمكن، عملياً، ألا يكون لعلماء الدين والفقهاء دور أساسي في الحكم، نظراً لانهم الاكثر تبحراً في شؤون الدين والاقرب من سواهم من فهم مضمون القانون الالهي وما يترتب على تطبيقه. لا يعني هذا بالضرورة الذهاب الى حد احتضان نظرية "ولاية الفقيه" الخمينية، بل يعني، على الاقل، ما عناه لأنور الجندي مثلاً، ان الحاكم لا بدّ ان يحكم بمعاونة رجال الدين. حتى الغنوشي لم يرَ مناصاً من احتضان موقف الجندي. إنه يدعو الى حكم النخبة شأن جميع الاسلاميين. تمارس هذه النخبة السلطة باعتبارها هيئة مهيكلة تتكون من كبار القضاة وعلماء الدين الذين اذا ما اجتمعوا على حكم يصير هذا الحكم جزءاً من الشريعة، واذا ما اجتمعوا على بيعة امام صارت طاعته ملزمة للأمة كلها(8) . لا ننسَ هنا أن اجتماعها على بيعة امام هو بمثابة وضعها له في وضع قمين بممارسته الحكم، بالتعاون مع هذه الهيئة، نيابة عن الله. هنا نرى بوضوح كيف يتحول الإلزام السياسي الى إلزام ديني.


في مفهوم الدولة الكليانية
ثمة موازاة شبه تامة بين المبادىء التي تقوم عليها الدولة الدينية والمبادئ التي تقوم عليها الدولة الكليانية. لتوضيح ذلك، لننصرف اولاً الى تناول مفهوم الدولة الكليانية. اول ما يتبادر الى أذهاننا، في تناولنا لمفهوم الدولة الكليانية، هو مدى حداثة هذا المفهوم. فالبشر لم يعرفوا الدولة الكليانية ويختبروا ويلاتها الا في القرن العشرين الذي شهد ظهور الستالينية والنازية والفاشستية وما مثلته باعتبارها أنظمة سياسية. لسنا معنيين هنا طبعاً بالشروط التاريخية لظهور الدولة الكليانية ولماذا لم يعرف هذا النوع من التنظيم السياسي قبل القرن العشرين. ما يعنينا هو السؤال: ما الذي يشكل المكونات الجوهرية لمفهوم الدولة الكليانية على مختلف تجسداته المعروفة؟
ثمة مكونان جوهريان لهذا المفهوم. المكوّن الاول هو ان السلطة في الدولة الكليانية تمارس باسم جماعة إيديولوجية معينة يؤول اليها وحدها الحق في الحكم. بمعنى آخر، المكون الاول يتعلق باستئثار جماعة إيديولوجية معينة بالسلطة على نحو دائم. حقها في الحكم هو غير حق حزب سياسي في الحكم في الانظمة الديمقراطية. ففي الحالة الاخيرة، الحق في الحكم مشروط بفوز الحزب على الاحزاب المنافسة في الانتخابات العامة. وان اتفق أن حزباً آخر فاز في انتخابات عامة لاحقة، فان الحكم سيكون من نصيبه لا من نصيب السابق. أما في النظام النازي، مثلاً، فان حق الحزب النازي في الحكم غير مشروط. لا إمكان في نظام كهذا للاعتراف بشرعية أي أحزاب منافسة للحزب النازي، ولا معنى ، بالتالي، للقول ان الحق في الحكم قد يؤول الى حزب منافس، في حال توافر شروط معينة كفوزه في الانتخابات او ما شاكل ذلك. فتركيبة النظام هي على نحو بحيث يمتنع من حيث المبدأ توافر شروط كهذه ضمن هذا النظام. فمفهوم فوز حزب منافس في الانتخابات العامة، وليس مفهوم الانتخابات العامة نفسه، لا تطبيق له ضمن هذا النظام، ما دام لا يوجد اعتراف بشرعية أي حزب منافس. من الواضح، اذن، ان النظام الكلياني هو نظام يتميز، بالتعريف، باستئثار جماعة إيديولوجية بالحق بممارسة السلطة.

المكوّن الجوهري الثاني لمفهوم الدولة الكليانية هو ان نطاق السلطة السياسية في النظام الكلياني يتسع الى حدّ يكاد يمتنع عنده الفصل بين العام والخاص. فلا القيم (الأخلاقية والفنية) ولا الاعتقاد ولا الفكر ولا الدين ولا حتى ممارسات الفرد في حياته الخاصة تقع خارج حدود السلطة السياسية. وفي النظامين الهتلري والستاليني بوجه خاص، لم يكن حتى العلم بمنأى عن مؤثرات قرارات السلطة السياسية ومواقفها الرسمية. فقد رُفض، مثلاً، تدريس النظرية النسبية في الاتحاد السوفييتي في العهد الستاليني على أساس قرار سياسي رسمي، مثلما رفض تدريس نظرية مندل في الوراثة على نفس الأساس. أما في النظام النازي فان النظرية العنصرية، كما هو معروف، عوملت وكأنها نظرية مثبتة علمياً، لا لسبب سوى ان معاملتها كذلك هو ما اقتضاه الموقف الرسمي للسلطة السياسية منها.

ان توسيع نطاق السلطة السياسية في الدولة الكليانية ليشمل كل مناحي الحياة هو، كما يؤكد ناصيف نصار، بمثابة "دولنة للمجتمع"(9). بمعنى آخر، يتشكل المجتمع بالدولة، في النظام الكلياني، ولا تتشكل الدولة بالمجتمع، وهو يتشكل بالدولة وفق ما تقتضيه الإيديولوجيا الرسمية للحزب الحاكم. واذا أضفنا ان هذه الايديولوجيا تنطوي على نظرة شاملة الى الكون، والفن، والحياة، يتضح عندها ان ما تقتضيه هذه الايديولوجيا هو اعادة تشكيل شبه تام للمجتمع . والنظرة الشاملة التي تشكل الاطار المرجعي للحزب الحاكم تؤخذ على انها تجسيد لحقائق مطلقة لا يطالها النقد من حيث المبدأ. وحده الحزب الحاكم يمتلك المعايير والمبادىء الصحيحة المطلوبة لتنظيم شؤون السياسة، والاجتماع، والاقتصاد، وضبط الفكر، والسلوك، والذوق. من هنا يتضح ان احتكار السلطة السياسية في النظام الكلياني من قبل جماعة إيديولوجية يقوم على افتراضها احتكار الحقيقة في كل مجالات الحياة. كل من هم خارج هذه الجماعة الإيديولوجية هم بالضرورة خارج الحقيقة. ان هذا تماماً ما يفسر لماذا الدولة الكليانية هي دولة غير متسامحة قط مع من يتحدون سياسات الطبقة الحاكمة فيها. من ينطلق من افتراض عدم إمكان وجود أي خطأ في موقفه لا يمكنه ان ينظر بتسامح الى معارضيه لأنه لا يجوز التسامح مع الخطأ. واذا كان موقف اللامتسامح هو بمثابة اعتقاد ديني لديه، فان الاعتراض عليه ليس خطأ فحسب، بل خطيئة، مما يضاعف مرات عديدة حجم اللاتسامح.

بين الدولة الدينية والدولة الكليانية
من السهل ان نرى الآن، في ضوء ما سبق ، ان ثمة موازاة شبه كاملة بين المبادىء التي تقوم عليها الدولة الدينية والتي تقوم عليها الدولة الكليانية.
المبدأ الاول، كما رأينا، هو المبدأ الكلياني. في الدولة الكليانية، كما عرفناها من مختلف أشكالها التي ظهرت فيها في القرن الماضي، ثمة إيديولوجيا علمانية توجه الفكر والعمل وتطال كل أوجه الحياة، كما سبق وبيّنا. تقابل هذه الايديولوجيا في الدولة الدينية عقيدة الدين الذي تتخذ تعاليمه أساساً للحكم ومصدراً للتشريع في هذه الدولة، اي عقيدة هذا الدين بحسب الفهم الخاص لها من قبل الجماعة الايديولوجية التي تستأثر بالسلطة السياسية في هذه الدولة. إن نظرة هذه الجماعة لعقيدتها الدينية هي تماماً كنظرة الكلياني الى عقيدته العلمانية. في كلا الحالتين، ينظر كل فريق لعقيدته على أنها شاملة كل مناحي الحياة وتزوّدنا، بالتالي، بالمعايير والمبادىء اللازمة لتوجيه وضبط الفكر، والسلوك، والذوق.

المبدأ الثاني الذي تقوم عليه الدولة الدينية، كما رأينا، هو مبدأ "الحاكمية لله". اما في الدولة الكليانية في أشكالها المعروفة فالحاكمية هي للحزب، فأين هي الموازاة بين الحالتين هنا؟ الجواب بسيط. في الدولة الكليانية العلمانية يحكم الحزب وفق ما تقتضيه إيديولوجيته الشاملة. وفي الدولة الدينية، كما رأينا، تتحول حاكمية الله الى حاكمية جماعة إيديولوجية تدّجعي الحكم باسم الله او نيابة عن الله، اي تدعي انها لا تفعل ما يخالف أوامر الله. ولكن معرفة أوامر الله، من منظورها، تستلزم العودة الى النص الديني، والاخير لا يفسّر ذاته. فكما نبّهنا علي بن أبي طالب "القرآن كتاب مسطور بين دفتين لا ينطق، وإنما ينطق بها الرجال". ولكن مَن مِن الرجال ينطق به؟ التأويل أو الاجتهاد، نظرياً، مفتوح للجميع، ولكن، عملياً وواقعياً، هو ليس فقط من احتكار الرجال دون النساء، بل، في السياق الذي يعنينا، هو من احتكار جماعة من الرجال دون الجماعات الأخرى. اذن، ما يعنيه، عمليا وواقعياً، تأسيس دولة على مبدأ "الحاكمية لله" هو ان جماعة إيديولوجية معينة تدّعي لنفسها، دون سواها، الحق في تمثيل إرادة الله هي التي ستتولى زمام الحكم على أساس احتكارها للمعرفة الضرورية لمضمون القانون الالهي ومستلزماته العملية وامتلاك أعضائها للصفات والفضائل الشخصية التي تجعل من الممتنع عليهم عصيان أوامر ونواهي الله. فان جماعة كهذه لا مبرر لوجودها، اصلاً، سوى اعتقاد عناصرها بانهم وحدهم المؤهلون لمعرفة ما يريد منا الله في دنيانا، ووحدهم القادرون على تنفيذ أوامره ونواهيه باخلاص وتجرد.

ما يترتب على كل هذا هو أن الفهم الخاص بجماعة معينة للعقيدة الدينية وما تستوجبه على المستوى السياسي، والاجتماعي، والقانوني، والاخلاقي، والفني هو ما يقابل الايديولوجيا الكليانية العلمانية . الكلام على الحاكمية الالهية يترجم، في هذه الحالة، الى كلام على كون إيديولوجيا الجماعة الدينية المسيّسة للدين هي المرجع الاخير في كل الشؤون التي تخصّ الحكم وتنظيم المجتمع، مثلما هي الايديولوجيا النازية او الشيوعية، مثلاً، المرجع الاخير في كل هذه الشؤون في النظام النازي او الشيوعي.
بالنسبة للمبدأ الثالث والاخير، مبدأ مركزانية سلطة النخبة، لا نحتاج الى كبير عناء لندرك مدى اهميته لكلا الدولة الدينية والدولة الكليانية العلمانية. فاذا كان الحكم السوي في كلا الحالتين هو الذي لا يحيد عن الايديولوجيا الرسمية (الدينية او العلمانية) اذن، بطبيعة الحال، لا يجوز ان يحكم الا من هو مزود بالفهم اللازم للايديولوجيا الرسمية ومتطلباتها العملية، ومن هو ملتزم بعدم الانحراف عنها، ومن له من فضائله ومزاياه الشخصية ما يضمن ثباته على التزامه هذا. ومن الواضح انه غير متاح سوى لفئة مختارة من المنتمين للجماعة الايديولوجية الاستيفاء على الشروط المطلوبة. السلطة اذن هي سلطة النخبة.

ان الموازاة بين المبادىء التي تقوم عليها الدولة الدينية والتي تقوم عليها الدولة الكليانية العلمانية لا بد  ان تقود، عملياً وواقعياً، الى اشتراكهما في عدد من السمات الاساسية. رأينا في تناولنا لمفهوم الدولة الكليانية انها ذات سمتين جوهريتين، السمة المتعلقة باحتكار السلطة السياسية من قبل الطبقة الحاكمة والسمة المتعلقة بكون هذه السلطة تطال كل مناحي الحياة وتكاد تزيل أي حد فاصل بين الخاص والعام. لا يمكن، في نظري، سوى ان تجتمع هاتان السمتان في الدولة الدينية. ولذلك ان نجاح أي جماعة من الجماعات الممثلة للاسلام السياسي في احكام قبضتها على السلطة السياسية احكاماً تاماً لا يمكن ان يعني، في التحليل الاخير، أقل من احتكارها المطلق لهذه السلطة وتوسيعها على النحو الذي يتواءم مع مقتضيات المبدأ الكلياني. احتكارها السلطة، فيما لو اتيحت لها الفرصة لفعل ذلك، هو أمر متوقع بكل تأكيد، إذ، من منظورها الايديولوجي، لا جماعة سواها تمثل ارادة الله. ولن يكون هذا الاحتكار للسلطة، من وجهة نظرها، ترتيباً موقتاً، كاحتكار البروليتاريا للسلطة في النظرية الماركسية، بل ترتيباً دائماً تفرضه طبيعة البشر من حيث هم، بحسب وصف الخميني، "حيوانات بحاجة الى ترويض" بواسطة التعاليم الدينية(10) . ومن تقع على اكتافهم مسؤولية "ترويض" البشر هم طبعاً الذين يدعون لانفسهم الحق في تمثيل ارادة الله على أساس كونهم اجتازوا مرحلة "الترويض" وصاروا مستوفين لكل الشروط المطلوبة لاكتمال شخصيتهم الاسلامية بكل ما يعنيه هذا من فهم واخلاص لتعاليم دينهم، وتفان في خدمة ربهم ورسوله، وتجرد في تنفيذ اوامره ونواهيه. انهم، بمعنى آخر، الذين يفترضون في أنفسهم الاهلية والقدرة على "ترويض" البشر، اي على خلق الانسان المدني الصالح والمجتمع المدني الصالح بتعاليم الدين الحنيف.

من هنا نفهم لماذا يذهب الاسلاميون الى حدّ توحيد رسالتهم (= ايديولوجيتهم) برسالة الله بالذات. فهذا سيد قطب، مثلاً، يصف رسالة الاخوان بانها عينها رسالة الله "التي جاءت تعرض الاسلام في صورته النهائية... ليكون دين البشرية كلها ولتكن شريعته هي شريعة الناس جميعاً ولتهيمن على كل من كان قبلها وتكون هي المرجع النهائي ولتقيم منهج الحياة البشرية حتى يرث الله الارض ومن عليها"(11). ان توحيد قطب بين ايديولوجيا الحركة الاسلامية التي ارتبط اسمه بها، ورسالة الله يجعل هذه الايديولوجيا مطلقة بمعنى مزدوج. فهي، من جهة، مطلقة بمعنى انها تشتمل على حقائق مطلقة، مما يجعلها صالحة لكل زمان ومكان. وهي، من جهة ثانية، مطلقة بمعنى انها المرجع النهائي، اي ان "الحقائق" التي تشتمل عليها هي الاساس الاخير الذي تشتق منه كل الحقائق الاخرى، الدينية والدنيوية، وهي لهذا السبب لا تخضع لاي معايير مستقلة.

من النتائج المترتبة على الموقف الاخير النتيجة التي رآها قطب نفسه بوضوح، الا وهي ان هذه الايديولوجيا لا يمكن ان تسمح بالتعددية. فكما يقول قطب، وكأنه ينطق بلسان جميع الاسلاميين، " ان هناك حزباً واحداً لله لا يتعدد وأحزاب أخرى كلها للشيطان والطاغوت"(12). فاذا كانت هذه الايديولوجيا مطلقة بالمعنى المزدوج الذي بيناه، فهي كذلك لانها تمثل، في نظر دعاتها، رسالة الله التي لا تتعدد. اذن من الطبيعي ان ينظروا الى الحزب الذي يحمل هذه الرسالة على انه حزب الله وانه لا شرعية لاي حزب آخر سواه.

ان هذا التفكير ينمّ عن اعتقاد الاسلاميين بـ "الربانية" في قادة وأعضاء حركتهم. والرباني هو المتمسك بتعاليم الاسلام، والمتبحر فيه، ومن يشعر، بالتالي، بالاستعلاء على سواه باعتبار انه يملك الحقيقة المطلقة كاملة لانه من حزب الله، بينما سواه فاقد لها لانه من حزب الشيطان. ولذلك نجد ان من الامور التي يشترطها حسن البنا في أخذ البيعة على الإخوان التجرّد ويشرحه بقوله " ان تخلص لفكرتك من كل ما سواها من المبادىء لانها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها"(13). ان هذا يشي بوضوح عن اليقين التام بان الجماعة بيدها الحقيقة المطلقة.

ان إضفاء الاسلاميين على إيديولوجيتهم هذا الطابع المطلق هو أول خطوة هامة نحو الكليانية لانه سيقود، لا محالة، في حال تسلمهم زمام الحكم، الى احتكار السلطة السياسية وقطع دابر أي معارضة سياسية. فلا يمكن لجماعة تدعي لنفسها فقط الحق في تمثيل إرادة الله، كائنة ما كانت هويتها الدينية، ان تقبل، من حيث المبدأ، ان يكون لأي جماعة سواها الحق في أن تحكم، حتى وان ادعت الاخيرة انها لا تفعل أكثر مما يستلزمه القانون الالهي في المجال الدنيوي، السياسي وغير السياسي . اذن، المحصلة الاخيرة لنجاح جماعة كهذه في إحكام قبضتها على زمام الحكم هي فرضها لفهمها الايديولوجي للقانون الالهي على المجتمع بأكمله عن طريق احتكارها للسلطة السياسية. الحاكمية المطلقة ستؤول اليها وحدها، علمياً، مهما بالغ قادتها ومنظروها في تأكيدهم أن الحاكمية لله وحده وأنهم مجرد واسطة لتنفيذ أوامره ونواهيه.

لن يقف الامر، كما رأينا، عند حد احتكار جماعة إيديولوجية كهذه للسلطة السياسية باسم الدين، بل إنه سيتجاوز ذلك الى قيام هذه الجماعة بدولنة شبه تامة للمجتمع، أي بتوسيع دائرة السلطة السياسية الى حد يكاد يلتغي عنده التمييز بين العام والخاص. فالسلطة الالهية، بحسب فهمهم الايديولوجي لها، شاملة لكل مناحي الحياة، الروحية والزمنية على حد سواء. ولذلك ما سيعنيه، عملياً واقعياً، احتكار هذه الجماعة للسلطة السياسية هو تحويل السلطة الالهية ا لشاملة الى سلطة سياسية تمارسها فئة مختارة من هذه الجماعة، سلطة لا يفلت من هيمنتها أي جانب من جوانب الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والتربوية، والفكرية ، والفنية. ومن الواضح هنا ان ترجمة السلطة الالهية الشاملة الى سلطة سياسية تتم في ضوء قراءة إيديولوجية خاصة بالجماعة المعنية لمضمون القانون الالهي. ومؤدى هذا تسييس أو أدلجة لكل شؤون الحياة، وتذويب للخاص في العام، وتحويل كامل للنظام السياسي الى نظام كلياني.
Saadeh Facebook  Saadeh Twitter Saadeh Email