سوريا و القضية الفلسطينية - سركيس ابو زيد

"سوريا والقضية الفلسطينية" عنوان غير دقيق لا بد من  استبداله  بعنوان اصح وهو: "سوريا وقضيتها"، لأن فلسطين هي جزء من الذات السورية. فلا فلسطين يمكن ان تتحرر من دون سوريا. ولا سوريا  قادرة  ان تدير ظهرها لفلسطين وترفع شعار سوريا اولاً، لأنها عندئذ تفقد معناها ودورها وذاتها. على عكس غيرها  من الدول العربية  التي فكت ارتباطها بالقضايا القومية المشتركة ولا سيما المسألة المركزية فلسطين.
الصراع اليوم على سوريا وفي سوريا هو صراع بسبب فلسطين أولاً. انه صراع  من اجل ضمان امن اسرائيل، و استكمال سلب  كامل ارض فلسطين، ما يستلزم إضعاف سوريا والهاءها بمشاكلها الداخلية حتى تتمكن الدولة اليهودية من فرض مشروعها وتوسيعه تدريجياً بالتهويد والاستيطان حيناً. والتوسع عندما تتاح الظروف والامكانيات.
بهذا المعنى الصراع في المنطقة هو صراع على وجودنا كهوية وحق ومصير، وهو ليس مجرد صراع على حدود الدولة اليهودية التي ترسمها موازين القوى والتسويات السياسية المرحلية.
انه  صراع وجود ومصير بين مشروعين:
إما أن تكون إسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات وهو شعار  مرفوع فوق الكنيست الاسرائيلي وتطبيقه مرهون بقوة اسرائيل وقدرتها على التمدد.
وإما أن تكون سوريا الكبرى أو الطبيعية أو الهلال الخصيب أو سوراقيا أو المشرق العربي أو الجبهة الشرقية وهي اسماء متعددة لمكان واحد ممتد من الخليج الى المتوسط، ومن جبال طوروس
الى السويس وتحقيقه مرهون بقوة الأمة وحيويتها وقدرتها على التغلب على انقساماتها الذاتية.

بهذا المعنى الحروب التي خاضتها الجمهورية العربية السورية لم تكن حروباً للدفاع عن فلسطين بل عن ذاتها ووجودها. كما أن الحروب التي خيضت ضدها، وتخاض اليوم عليها، ليس المقصود منها اخضاع سوريا وتقسيمها او احتواءها لذاتها، بل نصرة للمشروع الصهيوني الاستعماري الذي يستهدف حماية أمن إسرائيل ومصالح الرأسمالية الغربية، خاصة الولايات المتحدة الاميركية ومنع سورية من تحقيق ذاتها عبر  تعطيل نهضتها واستنزافها بفوضى وحروب أهلية وفتن وإغراقها في فراغ القوة. وهي المخططات الصهيونية (اليهودية – الغربية – العربية) التي شهدناها في العراق وفلسطين ولبنان ونشهدها اليوم في سوريا.
وعلى هذا الاساس  يُسمح لمجلس التعاون الخليجي أن  يجتمع وان يتحول الى اتحاد لممالك وإمارات الجزيرة العربية . كما سُمح لتشكيل  اتحاد المغرب العربي، واعادة احيائه مؤخراً لدعم انظمته الفتية في ليبيا وتونس والمترنحة في المغرب والجزائر.  بينما كل الجهود منصبة لمنع اي تقارب في المشرق العربي، والعمل على  إغراق  دوله في حروب داخلية تقسيمية لتفكيك المجتمع ولمزيد من التجزئة، وكل ذلك بسبب وجود ارض واحدة، يتنازع عليها مشروعان متناقضان وجودياً : اسرائيل الكبرى وسوريا الكبرى.

من هذه الرؤية سوف استعرض القضية السورية ودورها في الصراع الوجودي المصيري ضد اسرائيل، صراع قضيته الاساسية وحدة الوجود القومي ومسألته المركزية وقبلته فلسطين.  انه صراع سوري- اسرائيلي موضوعه الاساسي فلسطين.
هذه الدراسة موزعة على 6 محاور اساسية:

1- في البدء كانت الوحدة السورية  
 لن أعود الى الوحدة عبر التاريخ القديم في هذه العجالة سأكتفي بالتذكير بأنه قبل ولادة اسرائيل كانت فلسطين ومحيطها جزءاً من سوريا في الامبراطورية العثمانية.
عمد العثمانيون بعد سيطرتهم على بلاد الشام في موقعة مرج دابق عام 1516 الى اعادة تنظيم الادارة في البلاد المفتوحة، فأبقوا على وجود ثلاث ولايات مع تعديل في مساحاتها الجغرافية والتنظيم الإداري، فكانت ولاية الشام وولاية حلب وولاية طرابلس. ضمت ولاية دمشق مركز الولاية دمشق وسناجق القدس وغزة وصفد ونابلس وعجلون وتدمر وصيدا وبيروت والكرك ولكن هذه التقسيمات لم تكن نهائية فكثيراً ما كانت تُدمج السناجق أو تلغى بحسب الأوضاع المستجدة وحدث عام 1660 أن شُكلت ولاية رابعة هي ولاية صيدا وضمت سناجق صفد وصيدا مع بيروت. عمد الباب العالي الى إنشاء ولاية بيروت عام 1888 وألحق بها سناجق اللاذقية وطرابلس وعكا ونابلس وصيدا وصور ومرجعيون وهكذا حلت بيروت بشكل كبير مكان ولايتي صيدا وطرابلس.

كانت هذه البلاد منطقة جغرافية واحدة على مرّ التاريخ، لا تفصل بينها حدود سياسية، بل ما يميزها عن بعضها اسم الوالي الحاكم من قبل السلطة الحاكمة، وكان انتقال السكان بين هذه المناطق يتم دون أية عوائق. ومنذ قرن تقرر تقسيم المنطقة وفقاً للانتداب الأجنبي، ودون الأخذ برغبة شعوبها.
  من أجل وراثة الرجل المريض أي الامبراطورية العثمانية، وحتى يتمكن الاستعمار الاوروبي من السيطرة وزرع الدولة اليهودية تم رسم مخطط كامل من سايكس - بيكو ووعد بلفور وتواطؤ عربي - صهيوني (اتفاقية فيصل - وايزمن) حيث برزت  بداية ولادة ما اسميه "الصهيونية العربية"، وهي تسمية العرب الذين يخدمون اهداف الصهيونية وما اكثرهم اليوم. كما تجلى غباءٌ او تواطؤٌ عربي في التعامل مع الانكليز وهؤلاء قبضوا وعوداً لم تُنفذ .  
  الثورة العربية الكبرى في ذلك الزمان هي الربيع العربي الاول:  في ظاهرها تحرر من الاستبداد العثماني وفي النتائج ادت خدمات لأهداف الانكليز واليهود، رغم تحركات المقاومة السورية للاستقلال ورفض الانتداب وقيام دولة اليهود.
كل ذلك ادى الى ظهور الحدود الداخلية للتجزئة ورسم معالم الدولة اليهودية على حساب سوريا الطبيعية.
انها معركة على الوجود والحدود معاً.

1-1ظهور الحدود الداخلية
 تطور ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين والاردن منذ مطلع القرن التاسع عشر، في ظل الانتداب والاستقلال واحتلال فلسطين. حيث شهدت انتقال بعض المناطق والقرى من لبنان أو سوريا إلى فلسطين، وكذلك  تم تعديل مسار الخطوط الحدودية وفق مصالح الانتداب واطماع الصهيونية.
 انه صراع مزدوج على الحدود: من جهة نزاع على تداخل حدود لبنان وسوريا والاردن وفلسطين ومن جهة ثانية حرب ترسيم حدود التسويات بين هذه الدول واسرائيل.
مخططات تقسيم سوريا ورسم حدود داخلية فيها، وزرع اسرائيل في جنوبها وُوجهت بمقاومة شعبية اخذت اشكالاً مختلفة:
فكانت الثورات والاحتجاجات ومنها الثورة السورية الكبرى عام 1925 وثورات فلسطين العامة والمختلفة.  
وعلى إثر قيام ثورة عام 1936 في فلسطين، قامت بريطانيا بفصل فلسطين عن لبنان وسوريا بحجة تنفيذ الاتفاقيات الموقعة مع الفرنسيين، فيما هدفت في الواقع الى منع تسلل المقاومين العرب من لبنان وسوريا لتقديم العون إلى إخوانهم الثوار في فلسطين، وهكذا تكرس الفصل بين المنطقتين وظهرت الحدود بينهما.
تكررت الاقتطاعات البريطانية لصالح فلسطين على حساب لبنان وسوريا.

1-2 ولادة مشروع إسرائيل الكبرى
  يزعم اليهود وجود نصوص في التوراة  تدعي أن الله وعد اليهود بامتلاك هذه الأرض دون أن يحدد الحدود. وذكرت بعض المصادر اشتمالها على مساحة كبيرة بين النيل والفرات.
في هذا السياق تداول المؤتمر الصهيوني الأول في بال عام 1897  مقررات تدعو لاستعمار فلسطين وسوريا وآسيا الصغرى والعريش وقبرص.
 وخلال المؤتمر الصهيوني الثالث ركّز المؤتمرون على ضرورة إدخال سوريا ضمن فلسطين .
وكان تيودور هرتزل يردد:
"سوف نطالب بما نحتاج اليه كلما ازداد عدد المهاجرين ازدادت حاجتنا للأرض".
 كما تُبيّن إحدى الخرائط المؤرخة بعام 1904 أن المساحة المرتقبة لفلسطين اليهودية هي بين النيل والفرات ومن الأناضول حتى الخط الممتد من البصرة على الشاطىء الشمالي للخليج العربي وقسم من شمالي الحجاز وصولاً حتى مصر.
ومن يومها اتخذ الصراع شكل حروب على حدود مفتوحة لأن الصهيونية تطمع بأرض اسرائيل الكبرى بينما الصراع في جوهره هو حرب وجود الأمة السورية على كامل ارضها الطبيعية.

1-3 تقسيم سوريا الكبرى
في البدء كانت الوحدة السورية. ثم جاء التقسيم. منذ 100 سنة شهدت المنطقة تحولات جذرية جمعت تفكيك السلطنة العثمانية  وهجمة اوروبا الاستعمارية واحلام الثورة العربية الكبرى  والخائبة، وسلخ جنوب سوريا لإنشاء دولة يهودية. لذلك لا بد من اعادة بناء المشهد كما تركب منذ قرن. وكم يتشابه مع صور اليوم، وكأن الربيع العربي الثاني هو تكرار لما سبقه.

1- عقدت دول الحلفاء العديد من الاتفاقيات السرية لاقتسام الغنائم بعد الحرب، فكانت اتفاقية سايكس - بيكو في 16 ايار  1916.
  2- حصل اليهود من الانكليز على وعد بلفور (وزير الخارجية البريطاني) في تشرين الثاني 1917 متخطين محادثات حسين ـ مكماهون.  
3- وقّع فيصل بصفته ممثل المملكة الحجازية والدكتور حاييم وايزمان ممثلاً الحركة الصهيونية اتفاقاً في  شباط 1919، ينص على أن الوجود اليهودي في فلسطين إنما هو لإعمار فلسطين وتطويرها لما فيه مصلحة العرب واليهود بشكل متساو.
4- رداً على اقتسام سوريا بين الانتدابين والصهيونية، انعقد المؤتمر السوري العام، يوم 7 آذار 1920، واصدر المجتمعون بياناً دعوا فيه: "... نحن اعضاء هذا المؤتمر وبصفتنا الممثلين للأمة السورية أعلنا بإجماع الرأي استقلال بلادنا سوريا بحدودها الطبيعية ورفض المزاعم الصهيونية في جعل فلسطين وطناً للهجرة أو محل هجرة لهم".
5- بعد معركة ميسلون في 25 تموز 1920، فرضت فرنسا سيطرتها العسكرية على لبنان وسوريا، وأنهت إدارة فيصل وحكومته. كما احتلت بريطانيا العراق وفلسطين.
 معركة ميسلون كانت فاصلة في تحديد حدود الاستعمار واسرائيل.

1-4  سوريا تتوزع بين حدود الصهيونية وحدود الانتدابين
بدأت ملامح الاتفاقات الحدودية في مناطق الانتدابين الفرنسي والبريطاني في بلاد الشام تبرز تباعاً. منها توسيع المتصرفية الى الجنوب حتى حدود فلسطين.
وللمرة الأولى تظهر الحدود لتفصل بين أراضي المشرق العربي المقسمة بين نفوذين غريبين.
أصدر غورو في 20 ايلول 1920 قراراً  ذكّر فيه اللبنانيين "بحسنة ضم الأقضية الأربعة إلى لبنان لما في ذلك من فوائد اقتصادية وكذا جعل بيروت عاصمة للبنان".
كما عمد غورو الى تقسيم سوريا الى اربع مناطق مستقلة عن بعضها وهي: دولة دمشق ودولة حلب ودولة جبل الدروز ودولة بلاد العلويين. وذلك لمنعها من التوحد ضد الفرنسيين والتوحد لرفض الوجود الفرنسي في سوريا.

 من الملاحظ هنا أن القادة الصهاينة استمروا بلقاءاتهم مع بعض الشخصيات العربية سراً في سبيل الوصول الى تحقيق مصالحهم. ومن هذا الاساس التقى الياهو ساسون الشيخ بشارة الخوري عام 1941 ورياض الصلح، كما تسابقت الأنظمة العربية في السر لمحاولة توثيق العلاقة مع الدولة اليهودية.
هكذا استطاعت إسرائيل عند قيامها، اختصار الحلم اليهودي وتبديد الحلم العربي وبدأت مرحلة جديدة من سياسة قضم الأراضي العربية وإنشاء المستوطنات عليها تمهيداً لاقتطاعٍ آخر من هذه الأراضي، وفي ظل مطالبة مستمرة بتعديل الحدود مع لبنان وسوريا لتحقيق ما يتناسب والسياسة التوسعية الإسرائيلية.

2- سوريا تخسر جنوبها وجولانها في النكبة والنكسة
في البدء كانت الوحدة السورية ثم جاء التقسيم وقيام اسرائيل، فشهدت المنطقة نزاعاً  فلسطينياً – اسرائيلياً استغلته الرجعية العربية، ما ادى الى النكبة والنكسة بسبب ضعف المقاومة الفلسطينية واجهاض المقاومة القومية وسيطرة العروبة التقليدية على السياسات العربية ولا سيما جناحها المقرر ألا وهو الصهيونية العربية.
الخطة العربية التي  وُضعت من قبل جامعة الدول العربية لتحرك الجيوش العربية ضد القوات اليهودية في فلسطين، لم تكن  فعالة.
 سرعان ما اختل ميزان القوى لصالح اليهود.

من المعلوم أن التخاذل العربي والصراع الشخصي بين القادة العرب للسيطرة على قيادة الجيوش العربية، ساهما بإضعاف قوتهم وانهيار جبهتهم.
 بعد النكبة وتوقيع اتفاقيات الهدنة عام 1949، استمر النزاع على المناطق المنزوعة السلاح، كما قامت اسرائيل بفرض سيطرتها على بعض مصادر المياه. الى ان شنت صباح 4 حزيران 1967 حرباً مفاجئة على العرب، كان من نتائجها ازدياد حجم إسرائيل وفرض سيطرتها على الكثير من الأراضي العربية.  
عرفت سوريا سلسلة انقلابات بين 1949 و 1970 وكانت بسبب فلسطين او من اجلها. فبذريعة التقصير في نكبة 1949 قام حسني الزعيم قائد الجيش السوري بانقلاب في 11 نيسان 1949 تبين فيما بعد انه مدعوم من البريطانيين والعراقيين. وآخر انقلاب قاده الرئيس الراحل حافظ الأسد عام 1970 رداً على النكسة وتحضيراً لحرب تشرين وتأسيساً  لتوازن استراتيجي يكون قاعدة انطلاق للمقاومة والتحرير.

3- سوريا تعمل من أجل التوازن الاستراتيجي
 رد العرب بحرب عام 1973 لتحريك عملية السلام بالنسبة لمصر، ولتأسيس توازن جديد للمقاومة والتحرير بالنسبة لسوريا.  
 بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل عام 1978، وخروج مصر من الصف العربي المواجه لإسرائيل، انحصر الصراع العربي مع إسرائيل بين سوريا والمقاومة الفلسطينية بمختلف تياراتها والمقاومة الوطنية ومن ثم الاسلامية في لبنان.
 راجت معادلة تقول: لا حرب من دون مصر ولا سلام من دون سوريا. تبين على ارض الواقع انه شعار خاطىء لأن المقاومة ممكنة من دون مصر وتجربة لبنان وفلسطين شاهدة على ذلك.

من نتائج حرب تشرين حصول طلاق بين نهجين عربيين: مصر  انحرفت باتجاه التسوية، بينما اختارت سوريا الممانعة ودعم المقاومة.
استمرت سوريا في محاولاتها لتحقيق التوازن الاستراتيجي لكن انهيار الاتحاد السوفياتي وتغيير المناخ الدولي قضيا على هذا الاحتمال وجعل الحرب النظامية والكلاسيكية مستبعدة. لذلك اعتمدت سوريا معادلة مركبة: العمل الايجابي من اجل حل سلمي عادل وشامل وفي الوقت نفسه توفير الدعم للمقاومة في لبنان وفلسطين.

4- سوريا في خيار المقاومة
العمل الفدائي في فلسطين والاردن ولبنان نجح في تأكيد الهوية الفلسطينية وأثار اهتمام العالم بالمسألة الفلسطينية. لكن ابتعاد  اطراف من القيادة الرسمية عن عمقها القومي سهّل عزلها وحرفها. وتأكد بالتالي ان تحرير فلسطين غير ممكن من دون محيطها. كما  ان الدول المحيطة بفلسطين غير قادرة على ادارة ظهرها وفك ارتباطها بالمسألة المركزية للتأثير المتبادل بينهما. لذلك عندما تختلف المقاومة مع سوريا تتعثر. وكلما تكاملت وتساندت المقاومة مع سوريا انتصرت وهذا ما حصل في لبنان عملياً.
في المقابل ظلت إسرائيل تمارس سياسة التوسع داخل فلسطين، وتواصل اعتداءاتها على لبنان في محاولة منها لإنهاء العمل الفدائي المنطلق من لبنان، في سبيل تحقيق الفرصة المؤاتية للانقضاض على لبنان، والسيطرة على موارده المائية التي كانت تطمع بها منذ أمد بعيد.

 منذ تلك الفترة، اصبح لبنان طرفاً وساحة للصراع العربي ـ الاسرائيلي. وقد توجت إسرائيل اعتداءاتها على لبنان بضربة قاصمة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وذلك بإخراجها من بيروت على إثر اجتياحها للبنان عام 1982 ومحاولتها فرض اتفاق سلام عليه. لكنها عادت وقبلت باتفاقية لإخراج الجيش الإسرائيلي من لبنان وضمن شروط محددة. والحقيقة أن اتفاق 17 ايار الذي توصلت اليه إسرائيل بعد مفاوضاتها مع لبنان، تم إسقاطه بعد أقل من سنة، بفضل المقاومة الوطنية في لبنان ودعم سوريا.
 اشتدت سطوة المقاومة وشراستها ضد الجيش الاسرائيلي وعملائه. وكانت قد بدأت في تموز  1982 فتسببت لها بالكثير من الاصابات والخسائر، وادت إلى خروج اسرائيل من لبنان عام 2000.
تطورعمل المقاومة في لبنان، بفضل حزب الله المدعوم من سوريا وايران حتى توصّل إلى نوع من التوازن بين إسرائيل والمقاومة.  ساهم هذا الوضع في تحرك المقاومة داخل فلسطين لتعلن انتفاضة عام 1987 التي اربكت الحكومات الاسرائيلية.  

5- الصراع على سوريا مستمر
تاريخ التآمر ضد سوريا  لم يتوقف لأن موقعها الجيو سياسي مفتاح استراتيجي في المنطقة. سأكتفي بأمثلة  من الماضي والحاضر : 
5-1 في عام 1957 سعت بريطانيا والولايات المتحدة سراً إلى غزو سوريا "وتغيير النظام فيها" لأنهما اعتبرتاها تهدد إمدادات النفط المتوجهة للغرب. وهو خط الأنابيب الذي يربط حقول النفط العراقية التركية.
 هذه الخطة لم تُنفذ لأن القوة الدولية لم تستطع إقناع جيران سوريا العرب باتخاذ تلك الإجراءات، والهجوم التركي وحده لم يكن مقبولاً.  
5-2 كشفت مذكرات موشي دايان مؤخراً عن خطة رسمت في منتصف الخمسينات حول تعاون اسرائيل مع العراق لاحتلال سوريا. جاء فيها: «يدخل العراق الضفة الشرقية ويبتلع سوريا،
ويصبح لبنان دولة مسيحية وتحتل اسرائيل الضفة الغربية وتتوصل الى اتفاق مع نوري السعيد (رئيس حكومة العراق) على أن تُسكن نصف مليون لاجئ بنفقة مالية اميركية وان توسّع اسرائيل حدودها حتى نهر الليطاني وتحتل غزة وجزءاً من سيناء.

5-3 من هي سوريا برأي هنري كيسنجر
قال كيسنجر في مقابلة مع صحيفة نيوروركر الأميركية :
أنا أعترف أن حافظ الأسد هو الشخص الوحيد الذي هزمني وقهرني في حياتي كلها.
  إن ثورة سوريا أصبحت منذ آب 2011 حرباً عالمية ثالثة باردة، ولكنها ستسخن بعد عدة شهور.
 المتحاربون هم الصين وروسيا والهند من جهة ومن جهة أخرى نحن وحلفاؤنا.
سوريا الآن مركز الاسلام المعتدل في العالم. وفي الوقت نفسه مركز المسيحية العالمية، ولا بد من تدمير مئات البنى العمرانية المسيحية وتهجير المسيحيين منها، وهنا لب الصراع مع موسكو. فروسيا وأوروبا الشرقية تدينان بالأرثوذكسية وهي تابعة دينياً لسوريا وهذا سر من أسرار روسيا وسوريا، بالتالي "فأخواننا العرب "لو رشوا روسيا بكل نفطهم لن يستطيعوا فعل شيء.   
احتل هولاكو أكثر من نصف آسيا ولكنه هُزم عند أبواب دمشق. بلاد الشرق من المحيط الهادي حتى المتوسط مترابطة مع بعضها كأحجار الدومينو، لقد حركنا أفغانستان فأثر ذلك على الصين فما بالك بسوريا.

يمكن لك أن تلاحظي أن الصين والهند والباكستان دول متنافسة متناحرة فيما بينها ولكن من يرى مناقشات مجلس الأمن حول سوريا يظنها دولة واحدة بخطاباتها وتصرفات مندوبيها واصرارهم على الترحيب بالجعفري أكثر من مرة، رغم أنه مندوب سوريا الدائم.
  ما من حل فإما ضرب سوريا بالصواريخ الذرية وهذا مستحيل لأن اسرائيل موجودة.
 وإما الحل الآخر الوحيد، هو إحراق سوريا من الداخل وهو ما يحدث الآن.  
Saadeh Facebook  Saadeh Twitter Saadeh Email